اليوم الوطني للمجتمع المدني بالمغرب.. دعوات لإصلاح المنظومة وتعزيز دور الجمعيات في التنمية
مارس.. المجتمع المدني بالمغرب بين المكتسبات الدستورية والحاجة إلى إصلاحات عميقة

بمناسبة تخليد المغرب لليوم الوطني للمجتمع المدني، الذي يصادف 13 مارس من كل سنة، تتجدد الدعوات إلى تعزيز دور الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في مسار التنمية وترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية التشاركية، باعتبارها فاعلاً أساسياً في الحياة العامة.
ويعد هذا اليوم مناسبة رمزية للاعتراف بالدور الحيوي الذي يضطلع به المجتمع المدني في خدمة الصالح العام، كما يشكل فرصة للتأمل في مسار العمل الجمعوي بالمملكة، واستحضار منجزاته، إلى جانب الوقوف عند التحديات التي ما تزال تعترض تطوره وتحد من فعاليته.
وقد أصبح المجتمع المدني في المغرب خلال السنوات الأخيرة ركيزة مهمة في البناء الديمقراطي والتنمية المستدامة، إذ يضم شبكة واسعة من الجمعيات والمنظمات التطوعية التي تعمل بشكل مستقل عن الدولة والأحزاب السياسية، وتسعى إلى إطلاق مبادرات اجتماعية وثقافية وتنموية وإنسانية لفائدة المجتمع.
وتعززت مكانة المجتمع المدني بشكل واضح بعد دستور 2011، الذي منح الجمعيات والمنظمات غير الحكومية موقعاً متقدماً كشريك في إعداد السياسات العمومية ومواكبة تنفيذها، من خلال ترسيخ مبدأ الديمقراطية التشاركية وإشراك الفاعلين المدنيين في إعداد القرارات والمشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية.
غير أن هذه المكانة الدستورية، رغم أهميتها، لم تواكب دائماً بإصلاحات قانونية ومؤسساتية كافية تمكن الجمعيات من ممارسة أدوارها بفعالية واستقلالية. فما يزال الإطار القانوني المنظم للجمعيات يعتمد أساساً على الظهير الشريف الصادر سنة 1958، رغم التعديلات التي عرفها، وهو ما يجعله غير قادر بشكل كامل على مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية التي يشهدها المغرب اليوم.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إطلاق ورش إصلاحي شامل لمنظومة المجتمع المدني بالمغرب، يقوم على رؤية حديثة تعزز استقلالية العمل الجمعوي وتضمن حكامته الجيدة، مع توسيع مجالات مشاركته في التنمية وصناعة القرار العمومي.
ويرتكز هذا الإصلاح على مجموعة من المبادئ الأساسية، من بينها إعداد قانون عصري جديد ينظم عمل الجمعيات والمنظمات غير الحكومية بما ينسجم مع روح الدستور ومقتضيات الديمقراطية التشاركية، ويحدد بوضوح حقوق الجمعيات وواجباتها، مع ضمان حرية تأسيسها وممارسة أنشطتها في إطار الشفافية والمساءلة.
كما يقتضي الإصلاح إرساء آليات مؤسساتية فعالة للتشاور والتشارك بين السلطات العمومية وهيئات المجتمع المدني، بما يتيح لهذه الأخيرة المساهمة الحقيقية في صياغة السياسات العمومية وتتبع تنفيذها وتقييم نتائجها.
ومن بين الأولويات أيضاً تعزيز قدرات الفاعلين المدنيين عبر برامج تكوين وتأهيل مستمرة، تهدف إلى تطوير مهاراتهم في مجالات التدبير الإداري والمالي، وإعداد المشاريع، والترافع، والحكامة الجمعوية.
كما يُعد إقرار نظام دعم مالي مستدام وشفاف للجمعيات الجادة والفاعلة خطوة ضرورية لتمكينها من تنفيذ برامجها التنموية والاجتماعية، مع اعتماد معايير واضحة وموضوعية في منح الدعم تقوم على الكفاءة والنتائج.
وفي السياق ذاته، يظل تشجيع الشباب والنساء على الانخراط في العمل الجمعوي أحد المفاتيح الأساسية لتجديد النخب المدنية وبناء قيادات مجتمعية قادرة على مواكبة التحولات التي تعرفها البلاد.
ويؤكد متتبعون أن المجتمع المدني ليس مجرد قطاع مكمل لعمل الدولة، بل هو شريك أساسي في تحقيق التنمية وترسيخ الديمقراطية، إذ تشير التجارب الدولية الناجحة إلى أن قوة الدول تقاس أيضاً بمدى حيوية مجتمعها المدني وقدرته على المبادرة والتأثير والمشاركة.
وبهذه المناسبة، تتجدد الدعوة إلى جعل إصلاح منظومة المجتمع المدني بالمغرب أولوية استراتيجية، بما يساهم في بناء نموذج تنموي أكثر عدالة ونجاعة، يقوم على تعبئة مختلف الطاقات المجتمعية ويجعل من المواطن فاعلاً حقيقياً في صناعة مستقبل وطنه.
إن تخليد اليوم الوطني للمجتمع المدني لا يقتصر على الاحتفاء بالعمل الجمعوي، بل يمثل أيضاً فرصة لإطلاق جيل جديد من الإصلاحات التي تعيد الاعتبار لدور الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، وتمنحها المكانة التي تستحقها كشريك فعلي في بناء مغرب المستقبل.
ذ. عماد جليل
رئيس مجلس إدارة المنظمة الإفريقية للدراسات الاستراتيجية






