مجتمع

عندما يتحول الرصيف إلى قبر للأحياء من يقتل الفقراء بصمت؟ ومن يبرئ الجناة بعد كل مأساة؟

بقلم: سيداتي بيدا

ليست المأساة في أن يسقط إنسان على قارعة الطريق، بل في أن يعتاد المجتمع رؤية السقوط حتى يصبح مشهداً عادياً لا يثير سوى لحظة عابرة من التعاطف قبل أن يبتلعه النسيان.

في كل مرة تهز الرأي العام صورة إنسان بائس أنهكه المرض أو الفقر أو التشرد، تتكرر الأسطوانة ذاتها: “كان مختلاً عقلياً”، “كان متشرداً”، “كان يعيش ظروفاً خاصة”. وكأن هذه العبارات تحولت إلى شهادات براءة جاهزة توزع بسخاء على كل من كان يفترض أن يتدخل قبل وقوع الكارثة.

لكن الحقيقة أكثر قسوة من كل التبريرات.

فإذا كان الضحية يعاني فعلاً من اضطرابات نفسية، فأين كانت منظومة الرعاية؟ وإذا كان يعيش الهشاشة والفقر، فأين المؤسسات التي تتحدث صباح مساء عن الإدماج الاجتماعي والكرامة الإنسانية؟ وإذا كان بلا مأوى، فمن المسؤول عن تركه فريسة للشارع حتى تحولت حياته إلى معاناة مفتوحة على كل الاحتمالات المأساوية؟

المريض النفسي ليس مجرماً، والفقير ليس مذنباً، والمتشرد ليس رقماً زائداً في المجتمع. هؤلاء مواطنون لهم حقوق أصيلة تكفلها القوانين والمواثيق الدولية، لكن الواقع يكشف أحياناً أن الحقوق تصبح أكثر هشاشة كلما كان صاحبها أقل نفوذاً وأضعف صوتاً.

هناك من يولد محاطاً بالحماية والامتيازات، تفتح أمامه الأبواب قبل أن يطرقها، وهناك من يولد في الهامش، بلا سند ولا نفوذ، فيخوض معركة الحياة وحيداً. وحين يعجز عن المواصلة ويسقط، تبدأ ماكينة التبرير في العمل بدل أن تبدأ ماكينة المحاسبة.

المؤلم أن الضمير الجماعي يتحرك غالباً بعد فوات الأوان. تتعالى الأصوات، وتنتشر الصور، وتكتب البيانات، لكن الضحية يكون قد دفع الثمن كاملاً. أما الأسئلة الحقيقية فتظل معلقة بلا أجوبة: أين كانت الجهات المكلفة بحماية الفئات الهشة؟ وأين كانت خدمات الصحة النفسية والاجتماعية؟ ولماذا لا يتحرك الجميع إلا بعد أن تتحول المأساة إلى قضية رأي عام؟

لسنا هنا لإطلاق الاتهامات جزافاً، ولا لإصدار الأحكام دون أدلة، لكننا أمام واقع يفرض مساءلة أخلاقية وإنسانية قبل أي شيء آخر.

ويبقى السؤال الصادم الذي ينبغي أن يلاحق ضمير الجميع: كم إنساناً آخر يجب أن ينتهي به المطاف على الرصيف، حتى نعترف بأن الخلل لا يكمن دائماً في الضحية، بل في منظومة كاملة أتقنت تبرير المأساة أكثر مما أتقنت منعها؟

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى