
احتضنت العاصمة الرباط لقاء وطنيا خصص لتقديم الخطوط العريضة والوثيقة المرجعية لمشروع سياسي جديد يحمل اسم “نهضة تمغربيت”، وذلك في سياق وطني يتسم بتراجع الثقة في العمل الحزبي التقليدي، وبروز حاجة متزايدة إلى خطاب سياسي بديل يعيد الاعتبار للسياسة كرافعة لخدمة الصالح العام.

وشكل هذا اللقاء محطة سياسية وفكرية لتقديم تصور متكامل لممارسة سياسية مختلفة، لا تكتفي بالشعارات أو إعلان النوايا، بل تنطلق من تشخيص نقدي لواقع المشاركة السياسية، وتسعى إلى استعادة البعد القيمي والأخلاقي في تدبير الشأن العام، وربط الفعل السياسي بالمسؤولية والمعنى.
“تمغربيت” كمرجعية وطنية وهوية جامعة
يرتكز مشروع “نهضة تمغربيت” على مفهوم تمغربيت باعتباره هوية وطنية جامعة، تقوم على التعدد والانفتاح والاعتدال، بعيدا عن منطق الإقصاء أو الانغلاق. ويؤكد القائمون على المشروع أن تمغربيت لا تطرح كشعار ثقافي مجرد، بل كأرضية سياسية تؤطر السياسات العمومية وتوجّه العلاقة بين الدولة والمجتمع.

وفي هذا الإطار، يشدد المشروع على التشبث بالملكية الدستورية الديمقراطية، واحترام الوحدة الترابية للمملكة، وتعزيز دور المؤسسات في ضمان الاستقرار السياسي، إلى جانب التأكيد على مركزية الإسلام المغربي المعتدل كرافعة للتعايش ومواجهة التطرف.
الإنسان محور السياسات العمومية
من بين المرتكزات الأساسية التي برزت خلال اللقاء، جعل الإنسان في صلب المشروع السياسي، من خلال الاستثمار في قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، باعتبارها دعائم أساسية لتحقيق تنمية مستدامة وعدالة اجتماعية حقيقية.
كما يدعو المشروع إلى إرساء ديمقراطية اجتماعية تقلص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتضمن تكافؤ الفرص، مع إيلاء أهمية خاصة لقضايا الشباب والمرأة، ليس فقط من زاوية المطالب الاجتماعية، بل عبر تمكينهما من أدوار فاعلة في صناعة القرار وتجديد النخب السياسية.
مغاربة العالم ورهان الإشراك الفعلي
ويولي مشروع “نهضة تمغربيت” اهتماما خاصا بالجالية المغربية المقيمة بالخارج، داعيا إلى الانتقال من مقاربات ظرفية وموسمية إلى رؤية استراتيجية تثمن كفاءات مغاربة العالم، وتشركهم في مسارات التنمية وصنع القرار، مع تعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بالهوية الوطنية.
الحكامة الجيدة والاقتصاد والبيئة ضمن أولويات المشروع
على مستوى الحكامة، يدعو المشروع إلى محاربة الفساد واقتصاد الريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتبسيط المساطر الإدارية، وتعزيز استقلال السلطة القضائية. كما يقترح نموذجا اقتصاديا متوازنا يزاوج بين دور الدولة ونجاعة القطاع الخاص، مع الحفاظ على البعد الاجتماعي والالتزامات التضامنية.
وفي الجانب البيئي، يضع المشروع قضايا البيئة والتنمية المستدامة ضمن أولويات السياسات العمومية، من خلال تشجيع الاقتصاد الأخضر، والطاقات المتجددة، والتكيف مع التغيرات المناخية، بما ينسجم مع الرهانات الوطنية والتحولات العالمية.
مشروع سياسي قيد التبلور ونقاش عمومي مفتوح
يشكل هذا اللقاء الوطني محطة ضمن مسار تراكمي يهدف إلى بلورة مشروع سياسي واقعي وطموح في آن واحد، يسعى إلى إعادة الثقة في العمل السياسي عبر خطاب واضح ورؤية شمولية. ورغم أن المشروع لا يزال في طور التأسيس، فإنه يفتح نقاشا عموميا حول طبيعة العرض السياسي المطلوب اليوم، وحدود الممكن في ظل سياق اجتماعي واقتصادي معقد.
ختاما يقدم مشروع “نهضة تمغربيت” نفسه كمبادرة لإعادة الاعتبار للسياسة كوسيلة لخدمة الإنسان والوطن، لا كغاية في حد ذاتها، واضعا سؤال المعنى في قلب الممارسة السياسية، في انتظار اختبار قدرته على الانتقال من التصور النظري إلى الفعل السياسي الملموس.






