وجهة نظر

المواطن…..الرقم الصعب في المعادلة المجتمعية

بقلم : غزلان بلحرشي

كلما تعثر مشروع، أو تأخر إصلاح، أو تراجع مستوى الخدمات، يطفو السؤال ذاته على السطح: أين الخلل؟

الخلل، في الحقيقة، لا يقيم في مكان واحد. لكنه غالبًا ما يبدأ من التفاصيل الصغيرة التي نتجاهلها يوميًا. يبدأ حين نطالب بالإصلاح دون أن نصلح سلوكنا، وحين نرفع صوتنا بالمطالبة بالحقوق، بينما نؤجل أداء الواجبات.

 

نشتكي من الفوضى، لكننا نمارسها. نغضب من الفساد، ونتعايش معه حين لا يضرّنا مباشرة. نلوم الإدارة، وننسى أن الإدارة في النهاية أفراد، لهم نفس العقليات ونفس الأعذار التي نحملها نحن.

ليست المشكلة دائمًا في غياب القوانين، بل في غياب احترامها. وليست في قلة الإمكانيات، بل في سوء استعمالها. فحين يغيب الوعي، تتحول أفضل النصوص إلى حبر على ورق، وأجود المشاريع إلى فرص ضائعة

 

تبدأ لائحة الاتهامات طويلة؛ السياسة، الإدارة، الظروف، وحتى الحظ. غير أن الحقيقة التي نتفاداها غالبًا هي أن المواطن نفسه جزء من هذا التأخير، إن لم يكن بدايته.

لا يمكن لأي بلد أن يشق طريقه نحو التقدم بينما يصر عدد كبير من مواطنيه على انتظار الحلول من فوق، دون أن يراجعوا سلوكهم اليومي، أو طريقة تعاملهم مع العمل، أو علاقتهم بالقانون والفضاء المشترك. فالدولة، في نهاية المطاف، ليست شيئًا منفصلًا عنا، بل صورة مكبرة لما نمارسه يوميًا، عن قصد أو بدونه.

نشتكي من غياب النظافة، بينما نرمي الأزبال في الشارع دون تردد.

ننتقد ضعف الإنتاجية، لكننا نبرر التأخر والغياب بأعذار واهية.

نطالب بالشفافية، ثم نلجأ إلى المحسوبية حين تخدم مصالحنا.

هنا، لا يعود الخلل خارجيًا فقط، بل يتحول إلى سلوك معتاد، وربما مقبول اجتماعيًا، وهذا الأخطر.

التغيير، في جوهره، لا يحتاج إلى خطابات حماسية ولا إلى شعارات كبيرة تُرفع في المناسبات، بل إلى أفعال صغيرة ومتكررة. يبدأ من احترام الوقت، من إنجاز العمل كما يجب، من أداء الواجب قبل المطالبة بالحق، ومن الإيمان بأن المصلحة العامة ليست فكرة مثالية، بل ممارسة يومية بسيطة.

صحيح أن القوانين مهمة، بل ضرورية، لكن قيمتها تضعف حين لا تجد مواطنًا واعيًا يلتزم بها. كم من دول لا تملك ثروات هائلة، ومع ذلك تقدمت، لأن الإنسان فيها آمن بدوره، وتحمل مسؤوليته دون انتظار مقابل سريع أو تصفيق.

عندما يغير المواطن من نفسه، يتغير محيطه تلقائيًا. وحين يتغير المحيط، تجد المؤسسات نفسها مضطرة لمواكبة هذا التحول. هكذا تُبنى الدول، لا دفعة واحدة، بل خطوة خطوة، وبكثير من الصبر، وبقليل من الوعي الصادق.

 

قد يكون الطريق طويلًا، نعم، لكن البداية ليست غامضة.

إنها من الداخل… من المواطن… منّا جميعًا.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى