
سيداتي بيدا
لم تعد الأزمة التي انفجرت على حدود سبتة مجرد موجة هجرة عابرة، بل تحولت إلى صفعة سياسية مدوية كشفت هشاشة الاتحاد الأوروبي، وأسقطت شعارات التضامن التي طالما تغنت بها بروكسل. فمع أول اختبار حقيقي، انكفأت بعض العواصم الأوروبية وراء حدودها، وتركت إسبانيا تواجه العاصفة وحدها.
وفي لهجة غير معهودة، خرج رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز عن لغة الدبلوماسية الناعمة، موجهاً اتهامات مباشرة إلى عدد من شركاء بلاده داخل الاتحاد الأوروبي، معتبراً أن ردود أفعالهم اتسمت بالأنانية والانقسام، بل وتجاوزت، بحسب تعبيره، روح القانون الأوروبي الذي يفترض أن يحكم العمل المشترك بين الدول الأعضاء.
رسالة سانشيز، التي وُجهت إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيس الوزراء الإيرلندي ميهال مارتن، لم تكن مجرد مراسلة بروتوكولية، بل حملت نبرة إنذار سياسي واضح، مطالباً بعقد اجتماع عاجل لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي قبل أن تتحول أزمة سبتة إلى شرارة أزمة أوروبية شاملة.
فالواقع الذي فرضته الهجرة الجماعية لم يفضح فقط ثغرات حماية الحدود، بل كشف أيضاً أن الاتحاد الأوروبي لا يزال عاجزاً عن الاتفاق على سياسة موحدة للهجرة، وأن كثيراً من الحكومات لا تتذكر مفهوم “التضامن” إلا عندما تكون مصالحها المباشرة مهددة.
سانشيز بعث برسالة قاسية مفادها أن ترك إسبانيا وحدها في مواجهة هذا الضغط ليس دفاعاً عن السيادة الوطنية للدول، بل تخلياً عن المسؤولية الجماعية التي تأسس عليها المشروع الأوروبي. فحين تتصرف كل دولة بمنطق “أنقذ نفسك”، يصبح الحديث عن الاتحاد مجرد شعار فاقد للمصداقية.
وتأتي هذه المواجهة السياسية في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تدفع الخلافات الداخلية بعض الدول إلى اتخاذ إجراءات منفردة تعيد إحياء الحدود وتنسف ما تبقى من الثقة بين أعضاء الاتحاد، وهو سيناريو قد تكون كلفته السياسية أكبر من أزمة الهجرة نفسها.
أزمة سبتة لم تعد أزمة حدود، بل أزمة قيادة وقرار. إنها امتحان يكشف من يدافع عن أوروبا بالفعل، ومن يكتفي برفع شعاراتها عند المؤتمرات ثم يتخلى عنها عند أول اختبار.
واليوم، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام حقيقة لا يمكن إخفاؤها: إما موقف موحد يترجم الأقوال إلى أفعال، أو استمرار الانقسامات التي ستجعل أخطر ما يهدد أوروبا ليس المهاجرين، بل الخلافات التي تنهشها من الداخل.






