
بقلم: سيداتي بيدا
لم تكن المباراة الودية بين إسبانيا ومصر مجرد اختبار فني قبل الاستحقاقات الكبرى، بل تحولت إلى لحظة كاشفة لوجهٍ مظلم لا يزال يطارد كرة القدم الأوروبية. فبينما كان اللاعبون يسعون إلى تقديم عرض كروي راقٍ، اختارت فئة من الجماهير أن تسرق الأضواء بهتافات عنصرية مسيئة للمسلمين، في مشهد يبعث على الصدمة والاستنكار.
بعد دقائق قليلة فقط من انطلاق اللقاء على ملعب “كورنيا إل برات”، انطلقت العبارات المشينة من المدرجات، لتضرب في الصميم كل الشعارات التي ترفعها المؤسسات الرياضية حول التسامح والاحترام. لم يكن الأمر زلة عابرة، بل تكراراً متعمداً يعكس ذهنية إقصائية لا مكان لها في عالم يفترض أنه يتوحد عبر الرياضة.
ورغم التحذيرات الصارمة التي بثتها إدارة الملعب،سواء عبر الشاشات الإلكترونية أو مكبرات الصوت،
فإن تلك الأصوات النشاز عادت لتعلو مجدداً، في تحدٍ سافر للقوانين والقيم. غير أن الرد الأهم جاء من الجماهير الواعية التي واجهت هذه السلوكيات بصيحات استهجان، مؤكدة أن الوعي الجمعي قادر على عزل كل مظاهر الكراهية.
الاتحاد الإسباني لكرة القدم سارع إلى إدانة الواقعة، مجدداً موقفه الرافض لكل أشكال العنصرية، لكن الإدانات، مهما كانت قوية، لم تعد كافية وحدها. فالمطلوب اليوم ليس فقط التنديد، بل فرض عقوبات رادعة تضع حداً لكل من يحاول تحويل المدرجات إلى منصات لبث الكراهية.
رياضياً، انتهت المباراة بلا أهداف، لكن الأداء اللافت لحارس المنتخب المصري مصطفى شوبير كان نقطة مضيئة في أمسية شابها الكثير من التوتر خارج المستطيل الأخضر. ومع ذلك، بدا واضحاً أن ما جرى في المدرجات كان الحدث الأبرز، متقدماً على كل تفاصيل اللقاء.
إن كرة القدم، التي لطالما وُصفت بأنها لغة الشعوب، مهددة اليوم بأن تفقد معناها الحقيقي إذا استمرت مثل هذه الممارسات. فإما أن تكون الملاعب فضاءً للتلاقي والاحترام، أو تتحول إلى بؤر للتعصب والانقسام.
ما حدث ليس مجرد حادثة عابرة، بل جرس إنذار يدعو إلى تحرك عاجل وحازم. فالصمت أو الاكتفاء بالتحذيرات لن يوقف هذا النزيف الأخلاقي. وحدها القرارات الصارمة، مقرونة بوعي جماهيري حقيقي، قادرة على إعادة الهيبة للمدرجات، وحماية روح الرياضة من السقوط في مستنقع الكراهية.






