سياسة

قراءة أولية في أعمار مرشحي حزب الاستقلال: بين حكمة الشيوخ و حماس الشباب

بقلم / سميرة لشهب

مع إعلان حزب الاستقلال عن لائحته الأولية لمرشحي الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، عاد النقاش حول الأعمار إلى الواجهة، بعد أن تراوحت أعمار المرشحين بين 23 و71 سنة، مع حضور وازن لفئة المتقدمين في السن. وبين من اعتبر ذلك مؤشراً على هيمنة “الحرس القديم”، ومن رأى فيه تراجعاً لرهان تجديد النخب، تبدو الحاجة ملحة إلى قراءة تتجاوز الانطباعات السريعة نحو فهم الخلفيات السياسية والتنظيمية التي تحكم صناعة القرار داخل الأحزاب.

 

إن المتتبع لتاريخ حزب الاستقلال يدرك أنه ليس حزباً ظرفياً، بل هو تنظيم سياسي راكم تجربة طويلة في تدبير المحطات الانتخابية، ونسج عبر عقود شبكة تنظيمية واجتماعية واسعة، جعلته يعتمد في اختياراته على معايير لا يختزلها عامل السن وحده. فالحزب ينظر إلى المرشح باعتباره مشروعاً انتخابياً متكاملاً، تتداخل فيه الخبرة، والكفاءة، والرصيد النضالي، والحضور الميداني، والقدرة على التواصل مع الناخبين، أكثر من كونه رقماً في بطاقة التعريف الوطنية.

 

ومن هذا المنطلق، فإن حضور عدد مهم من المرشحين الذين تجاوزوا الستين من العمر لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انحيازاً إلى الشيخوخة السياسية، بل يمكن قراءته باعتباره رهاناً على تجربة راكمت معرفة دقيقة بالمجال الانتخابي، وعلى شخصيات استطاعت، عبر سنوات من العمل، بناء جسور الثقة مع المواطنين. فالانتخابات ليست فقط منافسة في الخطاب، بل هي أيضاً امتحان للتجربة والقدرة على إدارة الحملات الانتخابية، وحسن تدبير العلاقات مع مختلف الفاعلين.

 

وفي المقابل، لم تغب فئة الشباب عن هذه الترشيحات، إذ حضرت أسماء لا يتجاوز عمر بعضها 23 سنة، وهو ما يعكس حرص الحزب على فتح الباب أمام أجيال جديدة، وإن كان ذلك وفق رؤية تدريجية لا تقوم على الإحلال الكامل، بل على التدرج في نقل المسؤولية، بما يضمن استمرارية التجربة وتراكمها.

 

ويبدو أن حزب الاستقلال اختار أن يجعل من هدف تحقيق أفضل النتائج الانتخابية أولوية في هذه المرحلة، خاصة في ظل احتدام المنافسة بين الأحزاب الكبرى. لذلك، فإن معيار “القابلية للفوز” كان حاضراً بقوة في منح التزكيات، وهو أمر تلجأ إليه معظم الأحزاب عندما يتعلق الأمر باستحقاقات حاسمة. فالأولوية لم تكن للسن، وإنما لقدرة المرشح على الحفاظ على المقعد أو استعادته أو انتزاعه من المنافسين.

 

ولا يمكن إغفال أن حزب الاستقلال ظل، منذ تأسيسه، وفياً لفلسفته القائمة على التوفيق بين الوفاء للمدرسة الاستقلالية والانفتاح على الكفاءات الجديدة. لذلك فإن قراءة لوائحه الانتخابية ينبغي أن تتم في ضوء هذه المرجعية، التي ترى أن التجديد لا يعني بالضرورة القطيعة مع أصحاب التجربة، كما أن الخبرة لا ينبغي أن تكون عائقاً أمام صعود الطاقات الشابة.

 

إن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتمحور حول سؤال: “كم يبلغ عمر المرشح؟”، بل حول سؤال أكثر أهمية: “ماذا يستطيع أن يقدم للمواطنين؟”. فالممارسة الديمقراطية لا تقاس بالأعمار، وإنما بالكفاءة، والنزاهة، والالتزام، والقدرة على الدفاع عن مصالح المواطنين داخل المؤسسات المنتخبة.

 

وفي نهاية المطاف، قد ينجح شاب في مقتبل العمر في إحداث أثر سياسي كبير، كما قد ينجح سياسي مخضرم في خدمة دائرته بفضل خبرته الطويلة. والعكس صحيح أيضاً. لذلك فإن الرهان الحقيقي يبقى على جودة الأداء، لا على عدد السنوات.

 

ولعل حزب الاستقلال، وهو يخوض غمار انتخابات شتنبر 2026، أراد أن يبعث برسالة مفادها أن معركته ليست معركة أجيال، بل معركة كفاءات، وأن تحقيق نتائج إيجابية يظل رهانه الأول، سواء تحقق ذلك بمرشحين من جيل الشباب أو بوجوه راكمت عقوداً من التجربة السياسية. وفي نهاية المطاف، يبقى الناخب هو الفيصل، فهو وحده من يمنح الشرعية، ويحدد أي الخيارات أقرب إلى انتظاراته وتطلعاته.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى