
بقلم: سيداتي بيدا
لم تعد أسواق العيون كما كانت. لا ضجيج، لا ازدحام، ولا ذلك التدافع المعتاد بين الباعة والمتسوقين. بدلًا من ذلك، يسود صمت ثقيل يفضح أكثر مما يخفي، ويكشف حقيقة صادمة: المواطن قرر أن يقول “كفى”.
في قلب هذا الركود، تتكدس الخسائر. محلات جزارة تفوح منها روائح اللحوم الفاسدة، في مشهد صادم يلخص نهاية منطق الاستغلال. بضائع تُركت لتتعفن، وخضر وفواكه فقدت قيمتها قبل أن تجد من يشتريها. لم يعد الإقبال مضمونا، ولم تعد الأرباح سهلة كما كانت في زمن غياب المحاسبة.
هذه ليست أزمة عابرة، بل صفعة مدوية وجهها المستهلك لواقع اختل فيه الميزان. حين تتحول الأسعار إلى أداة ضغط على المواطن، يصبح الامتناع عن الشراء سلاحًا مشروعًا، بل ضرورة. والمغاربة اليوم يبرهنون أن الوعي أقوى من أي احتكار، وأن الصبر له حدود.
المقاطعة هنا ليست مجرد رد فعل، بل حكم شعبي قاسٍ على ممارسات لم تعد تُحتمل. إنها رسالة واضحة للتجار: الربح لا يكون على حساب كرامة الناس، والأسواق لا تُدار بمنطق الاستغلال. من تجاهل هذا الدرس، وجد نفسه وحيدًا أمام رفوف ممتلئة… وقلوب فارغة من الثقة.
الأخطر في المشهد ليس فقط الخسارة المادية، بل الانهيار المعنوي للعلاقة بين البائع والمشتري. حين يفقد المواطن ثقته، لا تعود الحملات الترويجية ولا النداءات العاطفية كافية لإعادته. الثقة، إذا انهارت، تحتاج أكثر من تخفيضات لاسترجاعها.
اليوم، تقف أسواق العيون عند مفترق طرق حاسم: إما مراجعة حقيقية تُعيد التوازن وتُنصف المستهلك، أو استمرار النزيف في صمت قاتل. فلا أحد ينتصر في سوق خاسر، ولا أحد يربح من ثقة مكسورة.
لقد تغيّر المشهد، وتغيّرت قواعد اللعبة. المواطن لم يعد متفرجًا، بل أصبح فاعلًا يفرض كلمته بوعي وإصرار. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يستفيق التجار قبل أن يتحول هذا الصمت إلى قطيعة دائمة؟



