جهات

مراكش بين حداثة الحافلات وبدائية المحطات حين يتحول انتظار النقل العمومي إلى اختبار يومي للصبر

بقلم/ سيداتي بيدا 

ليس من الإنصاف أن تستثمر المدن في حافلات حديثة ومكيفة، ثم تترك المواطن وحيدًا في مواجهة الشمس والمطر. فالنقل العمومي لا يبدأ لحظة صعود الراكب إلى الحافلة، بل يبدأ منذ الدقيقة الأولى التي يقف فيها منتظرًا عند محطة يفترض أن توفر له الحد الأدنى من الحماية والكرامة.

في مراكش، المدينة التي تعيش صيفًا لاهبًا يكاد يذيب الإسفلت، ما تزال عشرات محطات الحافلات تفتقر إلى مظلات الانتظار، في مفارقة تطرح أكثر من علامة استفهام حول اكتمال مشروع تحديث منظومة النقل الحضري. فبينما تجوب الحافلات الجديدة شوارع المدينة بتجهيزات متطورة، يقف المرتفقون في العراء، تحت شمس حارقة لا ترحم، أو تحت أمطار الشتاء ورياحه الباردة، وكأنهم خارج حسابات التخطيط الحضري.

هذا الواقع دفع الفاعل الجمعوي م ش إلى دق ناقوس الخطر، مؤكدا أن غياب مظلات الانتظار لم يعد مجرد نقص في التجهيزات، بل أصبح اختلالًا يمس جودة الخدمة العمومية وكرامة مستعمليها. وأوضح أن مئات المواطنين، من طلبة وتلاميذ وموظفين وعمال وكبار السن، يقضون وقتًا طويلًا في انتظار الحافلات داخل فضاءات مكشوفة، دون مقاعد أو وسائل حماية تقيهم قسوة المناخ.

ويضيف أن الإشكال لا يرتبط بحرارة الصيف وحدها، بل يتجدد خلال فصل الشتاء، حين تتحول محطات الوقوف إلى أماكن مفتوحة في وجه الأمطار والرياح، ليصبح انتظار الحافلة رحلة معاناة تسبق رحلة التنقل نفسها.

إن نجاح أي مشروع للنقل الحضري لا يقاس بعدد الحافلات التي تم اقتناؤها، وإنما بمدى تكامل مكوناته. فالمحطة ليست مجرد نقطة توقف، بل فضاء عمومي يعكس صورة المدينة واحترامها لمواطنيها. لذلك فإن توفير مظلات عصرية، ومقاعد مريحة، ولوحات معلومات واضحة، لم يعد ترفًا عمرانيا، بل ضرورة حضارية تفرضها معايير المدن الذكية التي تضع الإنسان في قلب السياسات العمومية.

ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن تكلفة إنشاء مظلات الانتظار تبقى محدودة مقارنة بحجم الاستثمارات التي رُصدت لتحديث أسطول الحافلات، وهو ما يجعل معالجة هذا الخلل ممكنة إذا توفرت الإرادة وسرعة التدخل.

إن مراكش، وهي تستعد لمزيد من المشاريع الكبرى وتواصل تعزيز مكانتها كوجهة سياحية عالمية، مطالبة اليوم بأن تجعل راحة ساكنتها في صلب أولوياتها. فالمواطن الذي ينتظر الحافلة تحت لهيب الشمس لا يحتاج إلى وعود جديدة، بل إلى مظلة تحميه، ومقعد يريحه، وإحساس بأن المدينة التي يفخر بها لم تنس حقه في انتظار كريم.

فالتنمية الحقيقية لا تقاس بما تملكه المدن من حافلات حديثة، بل بما تمنحه لمواطنيها من احترام وكرامة في أبسط تفاصيل حياتهم وفي مراكش قد تبدأ اولى خطوات هذا الاحترام من مظلة انتظار طال غيابها لكنها ما تزال مستحقا لا يقبل مزيدا من التاجيل

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى