وجهة نظر

ديناميات الإرهاب في إفريقيا في تباين الساحل والمغرب العربي

بقلم/ سيداتي بيدا

تبرز التقارير الدولية المتخصصة في قياس مؤشرات الإرهاب خلال السنوات الأخيرة تحوّل منطقة الساحل الإفريقي إلى إحدى أكثر البؤر هشاشةً من الناحية الأمنية على الصعيد العالمي. فقد أظهرت دراسات كمية ونوعية، صادرة عن مراكز بحثية مرموقة، أن دولًا في هذا الحزام الجغرافي باتت تتصدر معدلات العمليات الإرهابية من حيث الكثافة والانتشار، في سياق يتسم بتشابك العوامل البنيوية والسياسية والأمنية.

ويُعزى هذا التصاعد، وفق الأدبيات المعاصرة في دراسات الأمن، إلى تفاعل مركّب بين ضعف مؤسسات الدولة، واتساع الفجوات التنموية، وغياب السيطرة الفعلية على الحدود، فضلًا عن تأثير النزاعات الإقليمية التي وفّرت بيئة ملائمة لتمدد الجماعات المسلحة. كما تؤكد هذه الدراسات أن تحولات أنماط الإرهاب في الساحل لم تعد تقتصر على العمليات التقليدية، بل باتت تتسم بمرونة تنظيمية عالية وقدرة على التكيف مع الضغوط العسكرية.

في المقابل، تكشف المؤشرات ذاتها عن تباين لافت في مستوى التعرض للتهديدات الإرهابية داخل الفضاء المغاربي، حيث تُصنف دول مثل المغرب وموريتانيا ضمن الدول ذات التأثير المحدود نسبيًا. ويُفسَّر هذا التباين، وفق مقاربات تحليل السياسات العامة، بفعالية الاستراتيجيات متعددة الأبعاد التي اعتمدتها هذه الدول، والتي تمزج بين التدخل الأمني الوقائي، وإصلاح الحقول الدينية، وتعزيز برامج التنمية الاجتماعية.

وتشير الأدلة الإمبريقية إلى أن الاستثمار في العمل الاستخباراتي الاستباقي، إلى جانب تطوير آليات التعاون الإقليمي والدولي، أسهم في تفكيك عدد من الشبكات المتطرفة قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ. كما لعبت السياسات الرامية إلى تأطير الخطاب الديني دورًا مهمًا في الحد من قابلية المجتمعات للتأثر بالسرديات المتشددة، وهو ما تؤكده دراسات ميدانية تناولت العلاقة بين الأمن الفكري والاستقرار المجتمعي.

علاوة على ذلك، يُعدّ الاستقرار المؤسساتي عاملًا حاسمًا في تفسير هذا التفاوت، إذ تبيّن الأدبيات أن الدول التي تحافظ على درجة عالية من التماسك السياسي والفعالية الإدارية تكون أكثر قدرة على إدارة التهديدات غير التقليدية، ومنها الإرهاب. وفي هذا السياق، يُنظر إلى التجارب المغاربية باعتبارها نماذج تطبيقية لمقاربة “الأمن الشامل” التي تتجاوز البعد العسكري الضيق.

خلاصة القول، إن التباين بين دول الساحل والمغرب العربي لا يعكس اختلافًا ظرفيًا، بل يعبر عن فروق هيكلية في أنماط الحوكمة وإدارة المخاطر. ومن ثم، فإن أي استراتيجية فعالة لمكافحة الإرهاب في إفريقيا تظل رهينة بتبني مقاربات تكاملي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى