
من أثارت الوعود الاقتصادية والاجتماعية التي تضمنتها برامج عدد من الأحزاب السياسية، على بعد أيام من الاستحقاقات الانتخابية، نقاشاً واسعاً حول مدى واقعيتها وقدرة المالية العمومية والاقتصاد الوطني على تحمل كلفتها.
واعتبر المحلل الاقتصادي رشيد الساري أن جانباً مهماً من هذه الوعود يقوم على منافسة رقمية بين الأحزاب أكثر مما يستند إلى تصورات اقتصادية قابلة للتنفيذ، خاصة مع الحديث عن برامج قد تتطلب اعتمادات إضافية تتراوح، بحسب تقديراته، بين 300 و600 مليار درهم.
وتشمل بعض الوعود المطروحة الرفع من الحد الأدنى للأجور ومعاشات التقاعد إلى مستويات تصل إلى 5000 درهم، إلى جانب خفض معدلات البطالة وتوسيع برامج التشغيل.
كما أثار الساري مسألة التخفيضات الضريبية المقترحة، مشيراً إلى أن الانتقال بالمعدل الأعلى للضريبة على الدخل إلى حوالي 20 في المائة قد تكون له انعكاسات كبيرة على مداخيل الدولة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى موارد إضافية لتمويل البرامج الاجتماعية والاستثمارات العمومية.
مليون منصب شغل تحت المجهر
وعلى مستوى التشغيل، شكك المحلل الاقتصادي في إمكانية تحقيق وعود تتحدث عن توفير قرابة مليون منصب شغل دون تقديم دراسات تفصيلية تحدد القطاعات القادرة على خلق هذه الفرص ومصادر تمويلها.
وحذر أيضاً من التحولات التي تشهدها بعض المهن، خصوصاً في قطاع مراكز النداء، بالتزامن مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، وهو ما قد يهدد آلاف الوظائف مستقبلاً.
كما تساءل عن واقعية الرهان على خلق عشرات الآلاف من فرص الشغل الإضافية في القطاع الفلاحي، في ظل توالي سنوات الجفاف والتغيرات المناخية والضغط المتزايد على الموارد المائية.
المواطن ينتظر تحسناً في المعيشة
ويرى الساري أن البرامج الانتخابية لا ينبغي أن تقتصر على مؤشرات النمو والأرقام الكبرى، بل يتعين أن تترجم إلى تحسن ملموس في القدرة الشرائية والخدمات الصحية والتعليمية ومستوى معيشة المواطنين.
وأشار في هذا السياق إلى الارتفاع الكبير الذي عرفته أسعار عدد من المواد الغذائية، ومن بينها اللحوم، معتبراً أن الزيادات في الأجور لن تكون كافية إذا استمرت الأسعار في الارتفاع ولم يواكبها نمو حقيقي في الإنتاج والقيمة المضافة.
وأكد أن التحدي الأساسي أمام الحكومة المقبلة يتمثل في تحقيق توازن بين رفع مداخيل الأسر، والحفاظ على استقرار المالية العمومية، وتشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل المستدامة.
وماذا عن النموذج التنموي؟
كما أعاد النقاش حول البرامج الانتخابية إلى الواجهة مسألة النموذج التنموي الجديد وأهدافه في أفق سنة 2030.
وتساءل الساري عن مدى استحضار الأحزاب لتوصيات النموذج عند إعداد برامجها، معتبراً أن أي تصور اقتصادي أو اجتماعي جديد ينبغي أن ينسجم مع خارطة الطريق التنموية التي سبق للمغرب اعتمادها.
وفي ظل تصاعد سقف الوعود مع اقتراب موعد الانتخابات، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة الأحزاب على تحويل الأرقام المعلنة إلى التزامات قابلة للتمويل والتنفيذ، بعيداً عن منطق المزايدات الانتخابية.






