الأحرار والبام في مواجهة مفتوحة.. اتهامات متبادلة باستقطاب البرلمانيين والمنتخبين قبيل انتخابات 2026

الرباط – المشهد24
دخل التنافس السياسي بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما انتقلت الخلافات بين الحزبين من النقاش حول البرامج والحصيلة إلى تبادل الاتهامات بشأن استقطاب البرلمانيين والمنتخبين والمرشحين، وذلك على بعد أسابيع من الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.
وبدأت آخر فصول هذا التوتر عقب اجتماع المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، المنعقد يوم الثلاثاء 25 غشت، والذي خصص جانباً مهماً منه لما وصفه الحزب بـ«الاستمالات والضغوط» التي قال إنها طالت عدداً من برلمانييه ومنتخبيه وقياداته الترابية من طرف حزب الأصالة والمعاصرة.
الأحرار يوجهون أصابع الاتهام إلى البام
في بلاغ رسمي، عبّر المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار عن «قلقه البالغ» إزاء ما اعتبره عمليات استمالة وضغوطاً تجاوزت حدود التنافس السياسي الطبيعي، معتبراً أن تواتر هذه الحالات يطرح أسئلة حول الأساليب المعتمدة في استهداف منتخبي الحزب.
ولم يكتف الحزب بالإشارة إلى حالات عامة، بل أورد أسماء قال إنها كانت ضمن مرشحيه أو لا تزال تمارس مهاماً انتدابية باسمه، قبل أن يتم ترشيحها من طرف حزب الأصالة والمعاصرة. ومن بين الأسماء التي ذكرها البلاغ: عبد الحي حرطون، ومحمد الجماني، وزينب السيمو، وعثمان بادل، ومنال بادل، وبشرى الوردي، وعبد الحفيظ المكوتي، وعبد القادر الحضوري.
ويرى «الأحرار» أن القضية لم تعد مجرد انتقالات فردية، خصوصاً بعدما قال إن محاولات الاستمالة امتدت إلى عضو في مكتبه السياسي، معتبراً أن الأمر يتجاوز منطق الانتقال السياسي العادي ويمس، بحسب تعبيره، بالأعراف التي تؤطر العلاقات بين الأحزاب واستقلالية هياكلها.
البام أمام اختبار الرد
اتهامات «الأحرار» وضعت حزب الأصالة والمعاصرة أمام اختبار سياسي كبير، خصوصاً أن الأمر يتعلق بحليف في الأغلبية وبمرحلة انتخابية حساسة.
وفي المقابل، فإن انتقال منتخبين وبرلمانيين بين الأحزاب لا يمكن، من الناحية السياسية، اختزاله تلقائياً في مفهوم «القرصنة» أو «سرقة البرلمانيين»، ما لم تكن هناك وقائع وأدلة تثبت وجود ضغوط أو ممارسات مخالفة للقانون. فحق السياسي في تغيير انتمائه الحزبي يظل قائماً، بينما يبقى النقاش الحقيقي مرتبطاً بظروف الانتقال وطريقة الاستقطاب والالتزامات السياسية والأخلاقية المصاحبة له.
وتكشف المعطيات المتاحة أن حزب الأصالة والمعاصرة كان بدوره يعمل خلال الأشهر الماضية على توسيع حضوره التنظيمي واستقطاب أطر وفعاليات ومنتخبين استعداداً للاستحقاقات المقبلة. وقد أعلن الحزب رسمياً، على سبيل المثال، عن دينامية تنظيمية واستقطاب لفعاليات بجهة الداخلة-وادي الذهب، كما قدم مرشحين جدد في عدد من الأقاليم.
الطالبي العلمي يدخل على الخط
وزاد الجدل اشتعالاً بعد تداول تسجيل صوتي منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، تحدث خلاله عن انتقال عدد من البرلمانيين والمنتخبين من صفوف «الأحرار» إلى «البام»، وانتقد ما اعتبره توسعاً في ظاهرة الاستقطاب السياسي.
كما تضمن التسجيل المتداول انتقادات موجهة إلى فوزي لقجع، القيادي بحزب الأصالة والمعاصرة، بشأن طريقة استقطاب عدد من الوجوه السياسية. غير أن التسجيل، كما نقلت عدة وسائل إعلام، يظل منسوباً إلى الطالبي العلمي، ولم يتسن بشكل مستقل التحقق من كامل سياقه ومضمونه.
وفي واحدة من أكثر العبارات إثارة للجدل، نُسب إلى الطالبي العلمي حديثه عن رفض تولي لقجع حقيبة الاقتصاد والمالية في الحكومة المقبلة، وهو ما فتح نقاشاً واسعاً حول طبيعة الصراع السياسي الذي بدأ يأخذ أبعاداً تتجاوز المنافسة الانتخابية المباشرة.
من «التنافس الانتخابي» إلى صراع على الوجوه
اللافت في التطورات الأخيرة أن الصراع بين «الأحرار» و«البام» لم يعد محصوراً في تقديم البرامج الانتخابية أو الدفاع عن الحصيلة الحكومية، وإنما أصبح جزء منه يدور حول من يمتلك القدرة على استقطاب أكبر عدد من المنتخبين والمرشحين والوجوه المؤثرة محلياً.
ويرى التجمع الوطني للأحرار أن تحويل المنافسة إلى سباق لاستقطاب الأشخاص يضر بصورة العمل السياسي، مؤكداً في بلاغه أن الانتخابات ينبغي أن تكون مناسبة للتنافس حول البرامج والأفكار والمشاريع، وليس حول المرشحين القادمين من الأحزاب المنافسة.
غير أن واقع الانتخابات المغربية يجعل «الوجوه المحلية» ذات وزن كبير في تحديد موازين القوى، خاصة بالنسبة للمرشحين الذين يتوفرون على حضور انتخابي وتنظيمي وشبكات من العلاقات داخل دوائرهم. ولذلك، فإن انتقال شخصية سياسية أو منتخب من حزب إلى آخر قد تكون له انعكاسات مباشرة على نتائج الاقتراع.
هل نحن أمام أزمة عابرة أم بداية مواجهة انتخابية مفتوحة؟
التصعيد الحالي يطرح سؤالاً أساسياً حول مستقبل العلاقة السياسية بين الحزبين، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية.
فمن جهة، يؤكد «الأحرار» أنه لن ينجر إلى ما يعتبره ممارسات غير نزيهة، ويتمسك بحصيلته وبرنامجه وتنظيمه. ومن جهة أخرى، يبدو أن «البام» ماضٍ في توسيع حضوره واستقطاب أسماء وفعاليات جديدة استعداداً للمعركة الانتخابية.
وبين الاتهامات والردود، يبقى الحكم النهائي للمواطن ولصناديق الاقتراع. فالمنافسة الديمقراطية يفترض أن تحسمها البرامج والحصيلة والقدرة على إقناع الناخبين، لا مجرد عدد البرلمانيين والمنتخبين الذين ينتقلون من هذا الحزب إلى ذاك.
ومع استمرار التصعيد، سيكون من اللافت انتظار ما سيصدر عن المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي يعقد اجتماعاً استثنائياً اليوم الأربعاء 26 غشت، في سياق مباشر مرتبط بهذه التطورات.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: من استقطب من؟ وإنما أيضاً: هل ستتحول الانتخابات المقبلة إلى منافسة بين المشاريع والبرامج، أم إلى سباق مفتوح حول استقطاب الأسماء والمرشحين؟






