
سيداتي بيدا
لم تعد محاولات الهجرة السرية سباحة نحو مدينة سبتة المحتلة مجرد حوادث متفرقة، بل تحولت إلى مشهد مأساوي يتكرر بوتيرة تنذر بكارثة إنسانية واجتماعية متفاقمة. فكل يوم يحمل معه أسماء جديدة لشبان مغاربة انقطعت أخبارهم بعد أن ابتلعهم البحر، تاركين وراءهم عائلات تعيش بين أمل خافت ووجع لا ينتهي.
وفي أحدث فصول هذه المأساة، أعلنت أسر جديدة فقدان الاتصال بأبنائها عقب محاولتهم بلوغ سبتة سباحة، لتنضم أسماؤهم إلى قائمة طويلة من المفقودين. وذكرت صحيفة “إلفارو دي سبتة” أن عائلات عدة أطلقت نداءات استغاثة بحثا عن أبنائها، فيما دعت السلطات الإسبانية إلى التبليغ الرسمي عن حالات الاختفاء لدى الحرس المدني أو مصالح الشرطة، سواء بمدينة سبتة أو داخل التراب الإسباني، مع إمكانية تقديم الشكايات أيضا من بلدان المنشأ.
غير أن القضية تتجاوز حدود البلاغات الأمنية وإجراءات البحث، لأنها تكشف عن واقع أكثر قسوة. فحين يقرر شاب مواجهة أمواج البحر بيدين عاريتين، فإنه يكون قد أصدر حكمه النهائي على واقع لم يعد يحتمل، مقتنعا بأن احتمال الغرق أهون من الاستمرار في حياة يراها بلا أفق.
لقد فقد البحر هيبته في أعين كثير من الشباب، ولم يعد يمثل ذلك الحاجز المرعب الذي يفصل بين اليابستين، بل تحول إلى معبر نحو حلم أوروبي يتخيلونه بوابة للكرامة والاستقرار والعيش الكريم. وفي المقابل، أصبحت السواحل المغربية شاهدة على نزيف بشري متواصل، وعلى موجات من اليأس تدفع بالمزيد من الأرواح إلى مغامرات لا تعترف بقوانين الطبيعة ولا ترحم أحلام الفقراء.
إن استمرار هذا “الارتماء الانتحاري” في أحضان البحر ليس مجرد أزمة هجرة، بل جرس إنذار مدوٍّ يفرض مراجعة عميقة للسياسات الاجتماعية والاقتصادية الموجهة للشباب. فالمعالجة الأمنية وحدها لن توقف هذا النزيف، كما أن حملات التحذير لن تقنع من فقد ثقته في إمكانية بناء مستقبله داخل وطنه.
فالأوطان لا تُقاس بعدد من يغادرها، بل بعدد من يختارون البقاء فيها بإرادتهم. وعندما يصبح البحر أكثر جاذبية من اليابسة، ويغدو المجهول أقل قسوة من الواقع، فإن المأساة لا تكون في الأمواج وحدها، بل في الظروف التي دفعت أبناء الوطن إلى اعتبار الموت احتمالا مقبولا في سبيل البحث عن حياة يرونها أكثر كرامة.






