دولي

بين قوارب الهجرة وشيخوخة أوروبا هل تستثمر إسبانيا في الإنسان أم تحمي حدودها؟

سيداتي بيدا 

 

في كل مرة تتصدر فيها مشاهد وصول المهاجرين المغاربة إلى سبتة واجهة الأخبار، ينصرف النقاش غالبًا إلى الجانب الأمني وحدود الدولة، بينما يغيب سؤال أكثر عمقًا يتعلق بالمستقبل الديموغرافي لإسبانيا وأوروبا عمومًا.

 فهل يتعلق الأمر فقط بضعف في مراقبة الحدود، أم أن هناك حسابات استراتيجية تتجاوز اللحظة الآنية؟

تشهد معظم الدول الأوروبية تراجعًا مستمرًا في معدلات الولادة وارتفاعًا متسارعًا في نسبة الشيخوخة، وهي معطيات تفرض تحديات اقتصادية واجتماعية جسيمة، أبرزها تقلص اليد العاملة وارتفاع كلفة أنظمة التقاعد والرعاية الصحية. وفي هذا السياق، يصبح الشباب المهاجرون موردًا بشريًا ذا قيمة اقتصادية كبيرة، وليس مجرد وافدين يبحثون عن فرصة للعيش.

فالشاب الذي يصل إلى أوروبا في مقتبل العمر يمثل، من منظور اقتصادي، سنوات طويلة من العمل والإنتاج ودفع الضرائب والمساهمة في تمويل صناديق التقاعد وتحريك عجلة الاستهلاك والاستثمار. والأهم من ذلك أن الدولة المستقبلة لم تتحمل تكاليف تربيته أو تعليمه أو رعايته الصحية خلال سنوات الطفولة والمراهقة، بل تستقبل فردًا جاهزًا للاندماج في سوق العمل.

لا يعني ذلك أن الهجرة غير النظامية سياسة معلنة أو مرغوبًا فيها من قبل الحكومات الأوروبية، فهذه الدول تؤكد باستمرار تشديد الرقابة على حدودها. غير أن الواقع يكشف أيضًا أن الاقتصادات الأوروبية تحتاج، بدرجات متفاوتة، إلى تدفقات بشرية شابة لتعويض النقص المتزايد في القوى العاملة وضمان استدامة أنظمة الحماية الاجتماعية.

ومن هنا، فإن قراءة ملف الهجرة بمنظار أمني صرف تظل قراءة ناقصة. فالدول لا تخطط بعقلية الانتخابات المقبلة فقط، بل بعقلية العقود المقبلة. وعندما تضع إسبانيا خططها حتى عام 2050، فإنها تدرك أن مستقبل اقتصادها سيظل مرتبطًا بقدرتها على الحفاظ على قاعدة سكانية منتجة وقادرة على تمويل مجتمع يتجه تدريجيًا نحو الشيخوخة.

في المقابل، تخسر الدول المصدرة للهجرة جزءًا من أهم ثرواتها، وهي طاقاتها الشابة التي أنفقت عليها سنوات من الاستثمار في التعليم والصحة والتكوين، لتجد نفسها في نهاية المطاف تقدمها مجانًا لاقتصادات أخرى أكثر قدرة على الاستفادة منها.

إن الهجرة اليوم لم تعد مجرد عبور أفراد عبر الحدود، بل أصبحت جزءًا من معادلة ديموغرافية واقتصادية معقدة، تدار بمنطق المصالح الاستراتيجية. وبينما ينشغل كثيرون بصورة القارب الذي يعبر البحر، تنظر الدول إلى ما بعد الوصول؛ إلى العامل، ودافع الضرائب، والمستهلك، والمساهم في بناء اقتصاد المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى