
بقلم/ سيداتي بيدا
ليست الحوادث دائماً قدراً، فبعضها يُصنع بصمت، حين يعرف المسؤولون مكمن الخطر ويتركونه قائماً، غير عابئين بما قد يخلّفه من إصابات أو مآسٍ. وهذا تماماً ما تكشفه واقعة تعرض الدكتور حسن برهون، الصحفي والحقوقي والنقابي، لحادث سقوط خطير من درج منصة دار الثقافة بمدينة تطوان أثناء قيامه بواجبه المهني في تغطية حفل توقيع كتاب مساء الخميس.
الحادث لم يكن مجرد تعثر عابر، بل أسفر عن إصابات مؤلمة على مستوى الرجلين، صاحبتها آلام حادة حالت دون قدرته على الحركة بشكل طبيعي، في مشهد أعاد إلى الواجهة سؤالاً أكبر من الحادث نفسه: كيف يستمر مرفق ثقافي عمومي في استقبال الضيوف والجمهور رغم وجود خطر معروف لم تتم معالجته؟
الأكثر إثارة للقلق أن الاتصال الذي جرى مع إدارة المركب الثقافي مساء الجمعة كشف معطى بالغ الخطورة، إذ أقر أحد المسؤولين بأن درج المنصة معروف بتكرار حوادث السقوط، وأن عدداً من الضيوف والمحاضرين وحتى بعض المسؤولين بالمركب تعرضوا لحوادث مماثلة. وإذا كان هذا الاعتراف صحيحاً، فإن القضية لم تعد تتعلق بخلل تقني بسيط، بل بإهمال إداري يطرح علامات استفهام حول أسباب استمرار الوضع دون تدخل حقيقي.
إن المؤسسات الثقافية ليست مجرد فضاءات للأنشطة الفكرية والفنية، بل هي مرافق عمومية ملزمة بتوفير شروط السلامة لكل من يرتادها. وأي تقصير في إزالة خطر ثابت ومعلوم قد يفتح الباب أمام مساءلة قانونية وإدارية، لأن الوقاية مسؤولية تسبق الاعتذار، والإصلاح يجب أن يسبق وقوع الضحايا لا أن يأتي بعدها.
ما تعرض له حسن برهون قد يكون جرس إنذار جديداً، لكنه لن يكون الأخير إذا استمر التعامل مع مثل هذه المخاطر بمنطق اللامبالاة. فالإدارة التي تعلم بوجود خلل يهدد سلامة المواطنين مطالبة بالتحرك الفوري، لا بالاكتفاء بتسجيل الحوادث وانتظار الضحية التالية.
وقد دعا عدد من الحاضرين وزملاء المصاب إلى توثيق الأضرار بشهادة طبية واللجوء إلى القضاء للمطالبة بترتيب المسؤوليات، ورفع دعوى ضد الجهة الوصية ممثلة في إدارة المركب الثقافي، باعتبار أن حماية سلامة المرتفقين ليست خياراً إدارياً، بل التزام قانوني وأخلاقي لا يقبل التأجيل.
إن المطلوب اليوم ليس فقط إصلاح درجٍ أصبح عنواناً للإهمال، بل فتح تحقيق مسؤول يحدد أسباب استمرار هذا الخطر رغم العلم به، وترتيب المسؤوليات بكل شفافية. فكرامة المواطن تبدأ من حقه في الولوج الآمن إلى المرافق العمومية، وأي تهاون في هذا الحق يمثل إخلالاً لا يجوز السكوت عنه، لأن الإهمال حين يتكرر يصبح مسؤولية، وحين يصيب الناس يتحول إلى قضية رأي عام.






