
بقلم: حسن الفارسي
تتعدد المخططات والبرامج والاستراتيجيات في بلدنا، وتتنوع معها الشعارات البراقة التي تعد بالعدالة الاجتماعية والإنصاف والتمكين. ومن بين هذه الملفات الثقيلة التي تراوح مكانها بين الطموح النظري والجمود الميداني، يبرز ملف الأشخاص في وضعية إعاقة كمرآة حقيقية لمدى التزام الحكومة بتعهداتها الدستورية والحقوقية، ومدى تفاعلها مع التوجيهات الملكية السامية التي ما فتئت تؤكد على ضرورة إدماج هذه الفئة وصون كرامتها.
تضع وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة بالمغرب، عبر كتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي، “المخطط الوطني التنفيذي الثاني للنهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة (2025-2027)” على طاولة رئاسة الحكومة منذ مدة. وبقدر ما يحمله هذا المخطط من صياغة تفصيلية تضمنت تنسيقاً بين 26 قطاعاً وزارياً ومؤسسة عمومية، ومصحوباً بـ 500 إجراء تنفيذي ووعود بالرقمنة وإطلاق بطاقة الإعاقة عبر منصة “إدماج”، بقدر ما يطرح سؤالاً حقوقياً وقانونياً مقلقاً: هل نحن أمام إرادة سياسية حقيقية لتغيير الواقع المعاش تفعيلاً للرؤية الملكية السديدة، أم أن الأمر لا يعدو كونه غطاءً لعجز هيكلي في التنفيذ، وملفاً جديداً ينتظر دوره ليُوضع على رفوف مكاتب التخزين لوقت غير معلوم؟
إن القراءة المتقاطعة بين المحاور الأربعة للمخطط وبين الواقع المعاش سوسيواقتصادياً وقانونياً، تكشف الفجوة العميقة بين النص والتشريع من جهة، وبين الأجرأة وسرعة التنفيذ من جهة أخرى.
تشريح المحاور الأربعة: بين طموح النص وصدمة الواقع
المحور الأول: الوقاية من أسباب الإعاقة.. معضلة الرعاية الصحية الأولية
ينص المخطط على تعزيز الرعاية الصحية الأولية والكشف المبكر عن الإعاقات لدى حديثي الولادة وفي المدارس. من الناحية الحقوقية، هذا الالتزام يتماشى مع المادة 25 من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ويندرج ضمن التوجيهات الملكية الرامية إلى بناء منظومة صحية وطنية متكاملة وقائمة على القرب والإنصاف. لكن بالنظر إلى واقع الحال الاقتصادي والاجتماعي، نصطدم بضعف بنيوي في المستشفيات العمومية، وخاصة في العالم القروي والمناطق النائية التي تفتقر أصلاً لأطباء الأطفال والمعدات البيوطبية الأساسية للكشف المبكر. إن غياب التعجيل بإصدار مراسيم تطبيقية تلزم منظومة الصحة العمومية ببروتوكولات فحص إجبارية ومجانية، يحول هذا المحور إلى مجرد تمنيات تصطدم بواقع صحي مرير يعاني منه المواطن في ظل بطء الأداء الحكومي.
المحور الثاني: بيئة ولوجة.. معارك يومية في فضاءات معزولة
يرتكز هذا المحور على تيسير الولوج إلى الفضاءات العامة، البنايات، وسائل النقل، والولوجيات الرقمية، مدعوماً ببطاقة الإعاقة الجديدة. قانونياً، يمتلك المغرب القانون رقم 10.03 المتعلق بالولوجيات الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.03.58 بتاريخ 10 ربيع الأول 1424 (12 ماي 2003)، لكن الحكومة أبقته قانوناً معطلاً لسنوات؛ ورغم صدور المرسوم التطبيقي رقم 2.11.246 بتاريخ 1 يوليو 2011 المتعلق بتحديد التدابير الخاصة لتكييف المرافق العامة والخاصة، إلا أن غياب تفعيل المقتضيات الزجرية والمراقبة الميدانية يجعل الواقع المعاش يظهر خلاف ذلك؛ فحافلات النقل الحضري، القطارات، المحاكم، والمؤسسات التعليمية والإدارية لا تزال في مجملها “بيئات طاردة” وغير ولوجة، وهو ما يتناقض مع الإرادة الملكية التي تطالب بجعل المدن والفضاءات المغربية دامجة ومتاحة للجميع. أما بطاقة الإعاقة التي طال انتظارها وتأخرت لسنوات في ردهات الأجرأة الإدارية، فإن قيمتها العملية تظل محك اختبار حقيقي؛ فالتنقل لا يحتاج إلى بطاقة فحسب، بل إلى بيئة تحتية مهيأة مادياً وواقعياً، وهو ما يغيب في غياب سرعة التنفيذ والتمويل المالي الكافي للمجالس الترابية من لدن الحكومة.
المحور الثالث: التضامن والتمكين الاقتصادي.. كوتا محاصرة وبطالة مستدامة
يهدف المخطط إلى دعم التشغيل الذاتي، والأنشطة المدرة للدخل، وتفعيل “الكوتا” (نسبة 7% المخصصة لهذه الفئة) في مباريات الوظيفة العمومية والقطاع الخاص. وتماشياً مع التوجيهات الملكية التي تلح على الإدماج الاقتصادي الحقيقي للشباب بمختلف فئاتهم، تبرز هنا المفارقة الصارخة؛ فالقطاع الخاص لا يزال بعيداً كل البعد عن الالتزام بأي نسبة تشغيل لغياب تحفيزات حكومية ضريبية حقيقية أو قوانين ملزمة صارمة. وحتى في الوظيفة العمومية، تواجه المباريات الموحدة تعقيدات تحد من استيعاب هذه الفئة رغم وجود مقتضيات تنظيمية سابقة مثل المرسوم رقم 2.16.146 الصادر في غرة شوال 1437 (7 يوليو 2016) بتغيير وتتميم المرسوم المتعلق بشروط وكيفيات تنظيم مباريات التوظيف في المناصب العمومية. وفي ظل غياب دعم حكومي حقيقي للمقاول الذاتي وريادة الأعمال الشاملة، يبقى التمكين الاقتصادي مجرد حبر على ورق، وتظل التبعية الاقتصادية والفقر هما السائدان اجتماعياً.
المحور الرابع: المساواة والإدماج الاجتماعي.. التربية الدامجة في مهب الإكراهات
يتطلع المخطط إلى تعزيز “التربية الدامجة” بدمج آلاف الأطفال سنوياً في المدارس العمومية، وهو ورش يحظى بعناية ملكية خاصة باعتباره ركيزة للعدالة وتكافؤ الفرص في مغرب القرن الحادي والعشرين. ورغم المجهودات المبذولة والبرامج والمشاريع الميدانية لخدمات تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، إلا أن الواقع التعليمي الذي تدبره الحكومة يصطدم بإكراهات بنيوية حادة: اكتظاظ الأقسام، غياب التكوين الأساسي والمستمر للأطر التربوية في مجال التعامل مع مختلف أنواع الإعاقات، والنقص الحاد في قاعات الموارد للتأهيل والدعم، بالإضافة إلى غياب الإطار القانوني والمالي الواضح لمهنة “المرافق المدرسي” (AVS). هذا الوضع يجعل الإدماج في كثير من الأحيان مجرد “إدماج فيزيائي” داخل جدران القسم، وليس إدماجاً تربوياً واجتماعياً حقيقياً يضمن المساواة.
مرتكزات التنزيل والحكامة: أين المراسيم التطبيقية؟
ينص المخطط على ملاءمة القوانين الوطنية مع الاتفاقيات الدولية، واعتماد منصة “إدماج” الرقمية لتسريع وتيرة معالجة الملفات بشفافية عالية.
من الناحية القانونية الحقوقية، يمتلك المغرب ترسانة دستورية متقدمة (الفصل 34 من الدستور) تعززت بالرؤية الملكية السامية للنهوض بالأوضاع الاجتماعية للشرائح الهشة. لكن القوة القانونية للحجج الدامغة تؤكد أن القوانين دون مراسيم تطبيقية واضحة ومحددة بآجال زمنية ملزمة تفقد روحها وجدواها، وتتحمل الحكومة الحالية كامل المسؤولية في هذا الباب.
إن بقاء الخطة لدى رئاسة الحكومة منذ مدة دون الحسم في إخراج المراسيم التطبيقية التكميلية المرتبطة بالقانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها، والصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.52 بتاريخ 19 من رجب 1437 (26 أبريل 2016)، يوضح مسافة التردد العميقة في تفعيل الالتزامات ونقص النجاعة الحكومية في مواكبة الطموح الملكي. الرقمنة عبر منصة “إدماج” هي وسيلة تقنية ممتازة، لكنها لن تحل محل غياب الأجرأة السياسية والمالية والسرعة في التنفيذ التي تتطلبها الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية الراهنة لهذه الفئة.
خلاصة واستشراف: ملف للرفوف أم إرادة للقطع مع العجز؟
إن المخطط الوطني التنفيذي الثاني (2025-2027) يمتلك مقومات هيكلية هامة ونظرة استراتيجية متكاملة في محاوره الأربعة مستلهمة من التوجهات الملكية السامية. لكن، وأمام واقع اجتماعي واقتصادي يتسم بالهشاشة، وفي ظل بطء وتيرة الأجرأة الحكومية وتأخر صدور المراسيم والقرارات التطبيقية الحاسمة، فإن التخوف الحقوقي يظل مشروعاً وقائماً: هل سيتحول هذا المخطط إلى وثيقة أخرى تضاف لرفوف مكتبة التخزين الإدارية لوقت غير معلوم، شأنها شأن العديد من المخططات السابقة؟
إن محك المصداقية لدى رئاسة الحكومة والقطاعات الوزارية الـ 26 الشريكة لا يكمن في صياغة الخطط وتعداد الإجراءات، بل في التعجيل الفوري بإصدار المراسيم التطبيقية التزاماً بالدستور وبالتوجيهات الملكية المطالبة بالكرامة والعدالة الاجتماعية، ورصد الميزانيات القطاعية الكفيلة بالتنزيل، وربط المسؤولية بالمحاسبة عبر مؤشرات قياس أثر واضحة على المعيش اليومي للأشخاص في وضعية إعاقة. دون ذلك، سيبقى التمكين الحكومي مجرد شعار، وستبقى العدالة الحقوقية مؤجلة إلى إشعار آخر.






