مجتمع

تجار المدارس من يوقف نزيف الدماء في طاحونة الدخول المدرسي؟!

 سيداتي بيدا

مع كل شتنبر، تدق ساعة الدخول المدرسي، فتُفتح أبواب المؤسسات التعليمية، لكن أبواباً أخرى تُفتح في المقابل أمام فاتورة لا ترحم. فاتورة تتكاثر بنودها بسرعة مذهلة، حتى يجد الأب نفسه أمام معركة مالية تستنزف دخله قبل أن يستوعب أبناءه أول درس في الموسم الدراسي.

 

الدخول المدرسي في المغرب لم يعد بالنسبة إلى كثير من الأسر مجرد محطة تربوية، بل تحول إلى موسم ثقيل من الالتزامات

 رسوم التسجيل، واجبات شهرية، تأمين، نقل مدرسي، إطعام، كتب ومراجع، ثم لائحة طويلة من الأدوات واللوازم التي لا تنتهي.

 

وفي قلب هذه الدوامة، يبرز ملف التأمين المدرسي باعتباره واحداً من أكثر الملفات إثارة للتساؤلات. فالأسر من حقها أن تعرف بدقة: ماذا تغطي هذه المبالغ؟ من يستفيد منها؟ وما طبيعة العقود المبرمة بشأنها؟ فالشفافية هنا ليست ترفاً، بل شرط أساسي لحماية الثقة بين المؤسسة والأسرة.

 

ثم تأتي الرسوم والواجبات المختلفة لتضيف طبقات جديدة إلى العبء. وفي غياب وضوح كافٍ لدى بعض الأسر حول الأسس التي تُبنى عليها هذه التكاليف، يتحول ولي الأمر إلى طرف ضعيف في معادلة لا يملك فيها دائماً القدرة على الرفض أو التفاوض.

 

أما سوق الكتب والمراجع، فله حكاية أخرى. مراجع باهظة، قوائم تتغير، وأحياناً صعوبة في العثور على بعض الكتب، ما يجعل الأسرة أمام سباق مع الزمن والميزانية معاً. والأسوأ أن يتحول الكتاب المدرسي من وسيلة للمعرفة إلى منتج تجاري يثقل كاهل الأسرة.

 

المشكلة إذن ليست في المدرسة الخاصة باعتبارها خياراً تعليمياً مشروعاً، ولا في الاستثمار في التربية باعتباره نشاطاً اقتصادياً مشروعاً، وإنما في غياب التوازن بين الحق في الاستثمار والحق في حماية المستهلك وضمان تكافؤ الفرص.

 

فالتعليم ليس سوقاً مفتوحة بلا ضوابط، والتلميذ ليس رقماً في دفتر الحسابات، والأسرة ليست محفظة مالية قابلة للاستنزاف بلا سقف.

 

المطلوب اليوم ليس خطابات موسمية، بل رقابة فعالة، وشفافية في الرسوم والخدمات، وضبط واضح للممارسات التجارية المرتبطة بالدخول المدرسي، حتى لا يتحول شهر شتنبر إلى كابوس سنوي يهدد الاستقرار المالي للأسر.

 

فحين يصبح الولوج إلى المدرسة مرهوناً بقدرة الجيب، فإن السؤال لم يعد متى يبدأ الموسم الدراسي؟ بل أصبح أكثر خطورة: من يوقف طاحونة الاستنزاف قبل أن تسحق ما تبقى من قدرة الأسر على الصمود؟

 

إن حماية المدرسة من منطق الربح المنفلت ليست حرباً على التعليم الخصوصي، بل دفاع عن التعليم نفسه، وعن الأسرة، وعن حق الطفل في أن يدخل فصله الدراسي حاملاً محفظة وكتاباً

 لا فاتورة تثقل كاهل والديه.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى