
شددت دراسة تحليلية أعدها يونس مجاهد، الرئيس السابق للمجلس الوطني للصحافة، على الضرورة الملحة لإعادة التحديد الدقيق للطبيعة القانونية للمجلس، وذلك بهدف معالجة بنيته الهجينة وضمان نجاعة أدائه، كاشفة عن أزمة تأسيسية عميقة جراء المزج بين نموذج مجالس أخلاقيات الصحافة ونموذج هيئات المهن الحرة.
وأبرز الباحث، في دراسته المنشورة بمجلة “فيض للعلوم الاجتماعية” (العدد 2، صيف-خريف 2025)، أن هذا الخلط المنهجي، والذي وصفه بـ”الانتقاء التلفيقي غير الموفق”، أدى إلى طغيان المهام التقنية والإدارية المتعلقة بسبل الولوج للمهنة على حساب المهمة الجوهرية والنبيلة للمجلس، والمتمثلة في السهر على احترام الأخلاقيات ونزاهة المنتج الصحفي.
وأشارت الدراسة إلى أن أبرز مظاهر هذا الخلل الهيكلي والتنظيمي، يتمثل في آلية التشكيل، حيث يتم الجمع بين الانتخاب المباشر لبعض الأعضاء والانتداب من مؤسسات حكومية وهيئات رسمية، خلافا للتجارب الدولية العريقة المعتمدة على التوافق بين المنظمات التمثيلية وإشراك الجمهور و السلطة القضائية.
كما أن إسناد منح بطاقة الصحافة للمجلس حوّل اهتمام المهنيين من التنافس حول الأخلاقيات إلى الصراع على البطاقات، في وقت تعتبر فيه التجربة المغربية استثناءً نادرا دوليا؛ لكون منح البطاقة عمل إداري بحت يتطلب الفصل الجذري بينه وبين هيئة “الحكماء” المناط بها البت في الشكايات والتجاوزات.
كما يمثل هذا النموذج إخلالا بمبادئ المهن الحرة، إذ يتم إغفال مبدأ المساواة الصارمة في التصويت (صوت واحد لكل منتسب) المعتمد في هيئات المحامين والأطباء.
اضافة إلى كل هذا، فقد حصل تخطي للمرجعية الدستورية، حيث ينص الفصل 28 من دستور 2011، أنه يجب على السلطات العمومية تشجيع التنظيم الذاتي المستقل والديمقراطي للصحافة دون فرض وصاية مسبقة.
وخلص مجاهد إلى أن تغليب منطق التنافس الانتخابي والصراع على المكاسب أزاح الأولويات الكبرى للقطاع، وهو ما يتقاطع مع توجهات اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون الصحافة والنشر التي أكدت في بلاغها المؤرخ بـ 16 يوليوز 2025 على ضرورة التركيز على تأهيل المقاولات الصحفية، وتنمية الموارد البشرية، وإصلاح منظومة التكوين لمواكبة التحولات الرقمية.
يذكر أن معطيات متداولة من داخل اللجنة المؤقتة أكدت أن حسم الطبيعة القانونية للمجلس الوطني للصحافة وإنهاء ظاهرة البنية الهجينة شكلا أحد المقترحات الرئيسية المرفوعة ضمن وثائقها الرسمية المقدمة للحكومة






