
بقلم: سيداتي بيدا
في الوقت الذي تُقدَّم فيه جهة العيون الساقية الحمراء كنموذج للتنمية والاستثمار، تكشف كواليس قطاع الحراسة والأمن الخاص عن واقع مقلق يفضح اختلالات عميقة في منظومة تدبير الصفقات، ويضع علامات استفهام ثقيلة حول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص. فالمقاولات المحلية، التي يُفترض أن تكون شريكاً أساسياً في الدينامية الاقتصادية، تجد نفسها في موقع المتفرج، مقصاة بشكل ممنهج لصالح فاعلين كبار يملكون مفاتيح النفوذ لا الكفاءة فقط.
المهنيون في هذا القطاع لا يتحدثون عن منافسة شريفة، بل عن “غربلة مقنّعة” تُمارس عبر دفاتر تحملات مفصّلة على مقاس شركات بعينها. شروط مالية مرهقة، وضمانات بنكية خانقة وإجراءات إدارية معقدة، كلها أدوات تُستخدم لإقصاء المقاولة المحلية التي تعاني أصلاً من محدودية السيولة وضعف الدعم المؤسساتي. والنتيجة: سوق محتكر، وفرص مغلقة، وطموحات تُجهض في مهدها.
الأخطر من ذلك، هو ما يتردد بقوة داخل أوساط المهنيين عن وجود شبكات مصالح ولوبيات تتحكم في خيوط اللعبة من وراء الستار، حيث تتحول الصفقات إلى غنائم تُوزّع وفق منطق العلاقات لا الاستحقاق. في ظل هذا الواقع، لا يُحرم المقاول المحلي فقط من فرص النمو، بل يُسلب أيضاً حقه في إثبات الذات وتطوير كفاءاته، في وقت تُمنح فيه صفقات بملايين الدراهم لشركات لا تمت للمنطقة بصلة، ولا تُسهم فعلياً في تنشيط اقتصادها.
هذا الإقصاء الممنهج لا ينعكس فقط على أرباب المقاولات، بل يمتد أثره إلى اليد العاملة المحلية التي تجد نفسها أمام فرص شغل هشة أو منعدمة، وإلى منظومة التكوين التي تظل رهينة غياب الاستثمار في العنصر البشري. فكيف يمكن الحديث عن جودة في خدمات الأمن الخاص، في ظل بيئة تُقصي الفاعلين الحقيقيين وتُكافئ الاحتكار؟
إن ما يجري في العيون ليس مجرد خلل عابر، بل مؤشر خطير على انحراف في تدبير قطاع حيوي. وعليه، فإن الصمت لم يعد خياراً. المطلوب اليوم تدخل حازم من الجهات الوصية لفرض الشفافية، ومراجعة دفاتر التحملات، وتبسيط المساطر، وإقرار تمييز إيجابي حقيقي لصالح المقاولات المحلية، انسجاماً مع روح الجهوية المتقدمة.
فإما أن تُفتح أبواب العدالة الاقتصادية على مصراعيها، أو يستمر نزيف الإقصاء… وحينها، لن يكون الخاسر فقط هو المقاول المحلي، بل مصداقية المنظومة بأكملها.






