تعليم

من أجل مدرسة تواكب تطلعات المغاربة وطموح المغرب الصاعد

بقلم: الأستاذ محمد حنصالي

الرئيس الوطني لرابطة التعليم الخاص بالمغرب

في لحظة وطنية تتطلع فيها بلادنا إلى ترسيخ موقعها ضمن الدول الصاعدة، وإلى بناء اقتصاد أكثر تنافسية ومجتمع أكثر تماسكاً، لا يمكن أن يكون التعليم إلا في صدارة المشروع الوطني.

 

فالمدرسة ليست مجرد فضاء لتلقين المعارف، وإنما هي المؤسسة التي نصنع من خلالها الإنسان المغربي القادر على مواكبة التحولات، والإبداع، والمنافسة، والمساهمة في بناء وطنه.

 

ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الانتخابي حول التعليم ينبغي ألا ينحصر في تدبير المنظومة الحالية، بل يجب أن يتجه نحو سؤال أكبر: أي مدرسة نريد للمغرب الذي نطمح إليه؟

 

إنها مدرسة تستجيب لتطلعات المغاربة، وتواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتنتج الكفاءات، وتكرس قيم المواطنة، وتمنح لكل طفل، أياً كانت ظروفه الاجتماعية أو المؤسسة التي يدرس بها، فرصة حقيقية لبناء مستقبله.

 

التعليم العمومي والخصوصي: مكونات مدرسة وطنية واحدة

 

إننا نؤمن بأن المدرسة المغربية واحدة في رسالتها، وإن تعددت مكوناتها.

 

فالتعليم العمومي والتعليم الخصوصي ليسا مشروعين متعارضين، بل مكونان لمنظومة تربوية وطنية واحدة، يتعين أن تتكامل أدوارهما خدمة للمتعلمين والمجتمع.

 

والتعليم الخصوصي، على امتداد عقود، ساهم في توسيع العرض المدرسي، واستقطاب استثمارات وطنية، وخلق فرص الشغل، وتخفيف الضغط عن المدرسة العمومية، والأهم من ذلك أنه أصبح اختياراً لعدد كبير من الأسر المغربية.

 

ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شراكة حقيقية ومسؤولة بين الدولة ومختلف مكونات المنظومة التعليمية، تقوم على الوضوح والإنصاف والاستقرار وتكامل الأدوار.

 

دعم الأسرة حماية للطبقة المتوسطة

 

ومن أهم القضايا التي ينبغي أن تحضر بقوة في البرامج الانتخابية قضية الأسرة.

 

إن الطبقة المتوسطة المغربية اختارت، في جزء مهم منها، التعليم الخصوصي لأبنائها، وتتحمل في سبيل ذلك كلفة مالية مباشرة ومتزايدة.

 

ولا ينبغي النظر إلى هذه المسألة باعتبارها شأناً يخص مؤسسات التعليم الخصوصي وحدها، بل باعتبارها قضية اجتماعية واقتصادية وطنية.

 

فالحفاظ على قدرة الأسرة المتوسطة على تعليم أبنائها هو في حد ذاته مساهمة في الحفاظ على هذه الطبقة التي تمثل إحدى ركائز الاستقرار الاجتماعي والدورة الاقتصادية الوطنية.

 

إن دعم الأسر التي اختارت التعليم الخصوصي لا يعني منح امتياز للقطاع، وإنما يعني الاستثمار في الأسرة، وحماية التماسك الاجتماعي، والحفاظ على قوة الطبقة المتوسطة.

 

ولهذا، فإننا ندعو إلى التفكير في آليات عادلة وفعالة لدعم الأسر، يكون محورها المتعلم والأسرة، وليس نوع المؤسسة التعليمية.

 

شراكة استراتيجية لا علاقة ظرفية

 

لقد أصبح من الضروري الانتقال من علاقة تقوم في بعض الأحيان على التدبير الإداري للقطاع إلى شراكة استراتيجية واضحة بين الدولة والتعليم الخصوصي.

 

وتوفر مقتضيات القانون الإطار 51.17 أرضية مهمة لذلك، وخاصة ما يرتبط بالتعاقد والشراكة.

 

كما أن تحيين الإطار المنظم للعلاقة بين الدولة والمؤسسات التعليمية الخاصة أصبح ضرورة لمواكبة التحولات التي يعرفها القطاع، وضمان الاستقرار، وتشجيع الاستثمار، وربط المسؤولية بالمحاسبة والجودة.

 

فالاستثمار في التعليم ليس استثماراً قصير المدى، وإنما هو استثمار في الإنسان يمتد أثره لعقود.

 

لا جودة بدون مدرس

 

مهما تطورت المناهج والتجهيزات والتكنولوجيا، سيظل المدرس قلب العملية التعليمية.

 

ولهذا، فإن إصلاح المدرسة يقتضي أيضاً إنصاف أطر التعليم الخصوصي، وفتح آفاق أوسع أمامهم للتكوين والتأهيل المستمر، والاعتراف بخبراتهم وممارساتهم المهنية وفق أطر قانونية واضحة.

 

كما أن موضوع الحماية الاجتماعية والتقاعد لهذه الفئة لا ينبغي أن يبقى خارج النقاش الوطني، لأن من خدم المدرسة والتلميذ لعقود يستحق أن ينعم بالكرامة والاستقرار.

 

الاستثمار في المدرسة استثمار في المغرب

 

إن المؤسسة التعليمية الخاصة، وخاصة المؤسسات الصغرى والمتوسطة، تواجه اليوم تحديات متزايدة مرتبطة بارتفاع تكاليف الاستثمار والتسيير ومتطلبات الجودة.

 

ولذلك، فإن المطلوب ليس امتيازات خاصة، وإنما بيئة مستقرة وعادلة تشجع الاستثمار في التربية وتحمي استمرارية المؤسسات الجادة.

 

إن حماية الاستثمار التربوي تعني حماية العرض المدرسي، والحفاظ على مناصب الشغل، والاستمرار في تحسين جودة الخدمات التعليمية.

 

ماذا ننتظر من البرامج الانتخابية؟

 

ونحن نضع هذه الرؤية أمام الأحزاب السياسية، فإننا لا نقدم لائحة مطالب قطاعية، وإنما نطرح مجموعة من القضايا التي نعتبرها جزءاً من ورش الإصلاح الوطني:

 

دعم الأسرة والطبقة المتوسطة، تفعيل الشراكة الاستراتيجية في التربية، حماية الاستثمار التربوي، إنصاف أطر التعليم الخصوصي، تطوير تكوينهم، مراجعة الإطار القانوني والتنظيمي للقطاع، وتعزيز المشاركة الفعلية للمهنيين في صناعة القرار التربوي.

 

كما ندعو إلى أن يكون تنزيل الإصلاحات التعليمية قائماً على الحوار والتشارك والاستماع إلى الفاعلين الميدانيين، لأن السياسات التعليمية لا تنجح بالنصوص وحدها، وإنما بقدرتها على ملامسة الواقع والاستجابة لحاجات المجتمع.

 

كلمة أخيرة

 

إن المغرب الذي نطمح إليه يحتاج إلى مدرسة بحجم طموحه.

 

مدرسة لا تكتفي بتخريج المتعلمين، وإنما تصنع الكفاءات؛ ولا تكتفي بمواجهة تحديات الحاضر، وإنما تستشرف المستقبل؛ ولا تزيد الفوارق الاجتماعية، وإنما تساهم في الحد منها؛ ولا تنظر إلى الأسرة كمجرد ممول للتعليم، وإنما كشريك أساسي فيه.

 

ومن موقعنا في رابطة التعليم الخاص بالمغرب، نؤكد أن دفاعنا عن التعليم الخصوصي ليس دفاعاً عن امتيازات، وإنما دفاع عن حق المدرسة المغربية في أن تتطور، وحق الأسرة في أن تختار، وحق المدرس في الكرامة، وحق المتعلم في تعليم جيد.

 

إنها دعوة إلى بناء مدرسة تستجيب لتطلعات المغاربة، وتواكب طموح المغرب الصاعد.

 

فحين نستثمر في المدرسة، فإننا لا نستثمر في مؤسسة فقط؛ بل نستثمر في الإنسان، وفي المجتمع، وفي اقتصاد المغرب، وفي مستقبل الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى