
سيداتي بيدا
في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتزايد فيه المخاوف من أزمات الغذاء، لم يعد البحث عن الشركاء الموثوقين خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية تفرضها حسابات الأمن القومي للدول.
ومن هذا المنطلق، جاءت الزيارة التي قام بها وزير الزراعة والغابات والصيد البحري الياباني، نوريكازو سوزوكي، إلى المركب الصناعي للجرف الأصفر، لتكشف حجم المكانة التي بات يحتلها المغرب داخل منظومة الأمن الغذائي العالمي.
فالحدث يتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية أو التعاون الاقتصادي التقليدي.
إنها رسالة سياسية واقتصادية واضحة مفادها أن المغرب أصبح أحد الفاعلين المؤثرين في قطاع يعد اليوم من أكثر القطاعات حساسية في العالم
قطاع يضمن استمرارية الإنتاج الزراعي وتأمين الغذاء لملايين البشر.
على مدى أكثر من ستة عقود، نجحت المملكة في بناء شراكة استراتيجية متينة مع اليابان، قائمة على الثقة والاستمرارية والمصالح المشتركة.
غير أن هذه العلاقة أخذت خلال السنوات الأخيرة بعداً أكثر عمقاً، مع تصاعد الحاجة العالمية إلى مصادر مستقرة للأسمدة والمغذيات الزراعية في ظل الأزمات الدولية المتلاحقة.
لقد استطاعت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط أن تحول المغرب من بلد يمتلك ثروة طبيعية مهمة إلى قوة صناعية ذات تأثير عالمي. فالمعادلة لم تعد مرتبطة باستخراج الفوسفاط فقط، بل بإنتاج المعرفة والابتكار وتطوير الحلول الزراعية التي تساهم في رفع الإنتاجية وتحقيق الاستدامة.
وتدرك اليابان، كما تدرك العديد من القوى الاقتصادية الكبرى، أن مستقبل الأمن الغذائي لن يبنى بالشعارات، بل بشراكات قادرة على ضمان الاستقرار والموثوقية.
لذلك لم يكن مستغرباً أن تتجه الأنظار نحو الجرف الأصفر، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى منصة عالمية لإنتاج وتطوير الأسمدة والحلول الزراعية الموجهة لمختلف القارات.
إن الرهان الياباني على المغرب يعكس حقيقة باتت تفرض نفسها بقوة ان المملكة لم تعد مجرد مزود للمواد الأولية، بل شريك استراتيجي يساهم في رسم ملامح الزراعة الحديثة ويؤدي دوراً محورياً في مواجهة التحديات الغذائية التي تهدد العالم.
وبين طوكيو والجرف الأصفر، تتشكل اليوم معادلة جديدة عنوانها الثقة والابتكار والمصالح المشتركة
معادلة تؤكد أن المغرب يواصل تحويل موارده الطبيعية إلى قوة تأثير دولية، وأن موقعه في خريطة الاقتصاد العالمي أصبح يُبنى بالإنتاج والمعرفة بقدر ما يُبنى بالثروات.






