
بقلم/ سيداتي بيدا
في مشهد أثار موجة واسعة من التفاعل والاستياء، وجد بائع بالونات بسيط بمدينة الناظور نفسه في قلب حدث تجاوز حدود واقعة عابرة ليتحول إلى سؤال مجتمعي عميق حول معنى العدالة وترتيب الأولويات. فالرجل لم يكن سوى مواطن يحاول تأمين قوت يومه بوسيلة متواضعة، لكن الصور المتداولة جعلت من قصته رمزاً لنقاش أكبر بكثير من البالونات نفسها.
ما أثار الرأي العام لم يكن تطبيق القانون في حد ذاته، فتنظيم الفضاء العام واحترام الضوابط القانونية يظلان من ركائز أي مجتمع منظم. غير أن الإشكال يبدأ عندما يشعر المواطن بأن مظاهر الحزم تبرز بسرعة في مواجهة الفئات الهشة، بينما ينتظر الناس رؤية الصرامة ذاتها في القضايا التي تستنزف ثقتهم وتؤثر بشكل مباشر على حياتهم اليومية.
إن هيبة المؤسسات لا تُبنى فقط بتطبيق النصوص، بل أيضاً بقدرتها على ترسيخ الإحساس بالإنصاف. فالمواطن لا يبحث عن استثناءات للقانون، بل يبحث عن عدالة متوازنة تجعله يشعر بأن الجميع يقفون أمام المعايير نفسها دون تفاوت أو انتقائية أو اختلاف في درجات الحزم.
لقد أعادت هذه الواقعة إلى الواجهة سؤالاً يتكرر كلما برزت أحداث مشابهة: هل تكفي المقاربة الزجرية وحدها لمعالجة الظواهر المرتبطة بالهشاشة الاجتماعية؟ أم أن الواقع يفرض البحث عن حلول أكثر عمقاً تراعي الظروف الاقتصادية وتمنح الأولوية لمعالجة الأسباب قبل الاكتفاء بمواجهة النتائج؟
فالباعة المتجولون ليسوا ظاهرة معزولة عن محيطها، بل هم في كثير من الأحيان انعكاس لتحديات اجتماعية واقتصادية معقدة. وعندما يضيق هامش الفرص، يصبح الرصيف بالنسبة للبعض آخر مساحة متاحة لمقاومة الحاجة والحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة.
ما وقع في الناظور لم يحرك مشاعر الناس بسبب قيمة البالونات أو طبيعة النشاط، بل لأن المشهد لامس إحساساً متراكماً لدى فئات واسعة ترى أن الضعيف غالباً ما يكون الأكثر عرضة للمواجهة، والأقل قدرة على الدفاع عن نفسه. لذلك لم تكن ردود الفعل تعبيراً عن رفض القانون، بل عن مطالبة بأن يقترن القانون دائماً بروح العدالة والبعد الإنساني.
وعندما تتحول بالونات ملونة إلى قضية رأي عام، فإن الرسالة تكون واضحة: المجتمعات لا تقاس فقط بمدى احترامها للقوانين، بل أيضاً بمدى قدرتها على حماية الكرامة الإنسانية، وإقناع المواطن بأن العدالة ليست مجرد إجراءات تُطبق، بل قيمة يشعر بها الجميع دون استثناء.






