
بقلم/ سيداتي بيدا
قصةٌ ملهمةٌ من رحاب جامعة القاضي عياض
وسط طوفانٍ من الأخبار التي أرهقت القلوب وأثقلت الأرواح، وحين كادت الصحافة تُصبح مرآةً لا تعكس إلا ما يُحزن ويُوجع، وجدنا أنفسنا أمام مشهدٍ مختلف تماماً، مشهدٍ يستحق أن يُروى ويُحفظ. ففي السادس من يونيو 2026، وبين أروقة جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، اجتمعت نخبةٌ من أبناء هذا الوطن ممن يحملون على أكتافهم ثقل المسؤولية في مختلف قطاعات الدولة، لا ليتفاخروا بمناصبهم، ولا ليُذكّروا أحداً بمكانتهم، بل ليجلسوا مجدداً على مقاعد الدراسة، مُقرّين بأن العلم بحرٌ لا يُنضب، وأن “التعلم من المهد إلى اللحد” ليست حكمةً تُقال بل التزامٌ يُعاش.
ما يُميّز هؤلاء الطلبة ليس فقط ما يحملونه من شهاداتٍ ومسؤوليات، بل ما يحملونه في دواخلهم من قيم. فقد جرت العادة في هذا الماستر أن لا تنتهي الوحدة الدراسية بانتهاء الامتحان، ولا يتفرق الناس بمجرد رفع الأقلام. بل تتحول تلك اللحظة إلى شيءٍ أجمل وأعمق: لحظة وفاءٍ يقف فيها الطالب أمام أستاذه لا بوصفه متلقياً للمعرفة، بل بوصفه إنساناً يعترف بالجميل ويُقدّر الفضل. وهذا بالذات ما فعله “ماستر المنازعات القانونية” بصيغته الفريدة التي تجعل من العلم تكاملاً، ومن الأستاذ أباً مربياً ومنارةً تُضيء ما أظلم من الدروب.
ولا يُمكن لأحدٍ أن يتأمل هذه التجربة دون أن يقف طويلاً أمام الأستاذة المقتدرة التي تتولى تنسيق هذا الماستر. فالنجاح الحقيقي لا يُولد من فراغ، وخلف كل تجربةٍ مُضيئة إنسانٌ يؤمن بها ويُحرق نفسه في سبيلها. هذه الأستاذة لم تكتفِ بالتدريس، بل أحسنت ما هو أندر وأصعب: أحسنت اختيار من يُحيط الطلبة، فانتقت لهم قاماتٍ علميةً مشهوداً لها بالنزاهة والأخلاق الرفيعة، فكانت بحق “موقدَ النور” لدروبٍ كانت ستظل مُعتمة لولا بصيرتها. وبذلك أثبتت هذه النخبة من أساتذةٍ وطلبة أن التعليم العالي حين يُمارَس بوعيٍ وضمير، لا يبقى مجرد أوراقٍ وشهادات، بل يصير الجسر الوحيد الحقيقي نحو مصاف الأمم المتقدمة، شريطة أن تُرفع قيمة العلم وأهله، وتُفتح أمامهم أبواب الدولة ومفاصلها.
وحين نتأمل الصورة الجماعية التي جمعت هؤلاء الطلبة بأساتذتهم، نُدرك أنها ليست مجرد ذكرى تُزيّن الجدران. إنها رسالةٌ صامتةٌ لكنها أعلى صوتاً من كل خطاب؛ رسالةٌ تقول لكل مسؤولٍ يملك القرار: هذا المغرب الذي تبحث عنه موجودٌ هنا، في هذه القاعة، في هذه الوجوه التي تجمع بين ثقل التجربة ونهم المعرفة وجمال الوفاء. كفاءاتٌ لا تطلب المستحيل، بل تطلب فقط أن تُرى، وأن تُقدَّر، وأن يُفسَح لها المجال لتُعطي ما لديها. فتحيةُ إجلالٍ لكل أستاذٍ كان أباً حنوناً وأخاً موجِّهاً، وتحيةٌ لهذه المبادرة التي أعادت للجامعة المغربية ما كاد يغيب عنها: دورها الأصيل كمنارةٍ للقيم والتربية والتعليم.





