مجتمع

عندما يُسقى الذهب الأحمر بالدم صرخة نساء ويلبا في وجه الاستغلال

بقلم/. سيداتي. بيدا

ليست كل الحقول خضراء كما تبدو من بعيد، ولا كل الثمار حلوة كما تُقدَّم على موائد أوروبا. في إقليم ويلبا الإسباني، حيث تُنتج الغالبية الساحقة من فراولة البلاد، تختبئ خلف اللون الأحمر القاني حكاية أكثر قتامة… حكاية نساء مغربيات وجدن أنفسهن في قلب منظومة لا ترحم.

جئن بحثاً عن الكرامة، فاستُقبلن بشروط عمل تُلامس حدود الإهانة. عقود موسمية تُوقّع على أمل تحسين الدخل، لكنها تتحول سريعاً إلى قيود غير معلنة. ساعات عمل طويلة، أجور هزيلة، وسكن يفتقر لأبسط مقومات العيش الكريم. هنا، لا مكان للضعف، لأن الضعف يُستغل.

لكن ما يطفو على السطح أخطر من مجرد استغلال اقتصادي. شهادات متكررة تتحدث عن تحرشات، اعتداءات، وابتزاز جنسي يمارس في صمت ثقيل. صمت مفروض بالخوف: الخوف من الطرد، من الترحيل، من الفضيحة، ومن ضياع كل شيء. في هذا المناخ، يصبح الجسد نفسه ورقة ضغط، وتتحول الحاجة إلى أداة قهر.

بعض النساء قررن المواجهة، فرفعن أصواتهن أمام القضاء الإسباني، متحديات منظومة كاملة. لكن، هل تكفي الشجاعة الفردية لكسر دائرة الاستغلال؟ الواقع يقول إن الطريق لا يزال طويلاً، وأن الانتهاكات ليست حالات معزولة بل أعراض خلل أعمق.

الأقسى أن المعاناة لا تنتهي عند حدود الحقول. عاملات يُرحّلن عند المرض بدل العلاج، وأخريات يهربن من الضيعات ليواجهن المجهول في الغابات، بلا حماية ولا مورد. هناك، يسقط القناع نهائياً عن “الحلم الأوروبي”، ليظهر كحقيقة قاسية: إما الصمت أو الضياع.

وسط هذا المشهد، تتكسر أحلام بسيطة، كحلم امرأة حامل تأمل أن تضع مولودها في إسبانيا طمعاً في مستقبل أفضل. لكنه حلم يصطدم بقوانين صارمة وواقع لا يعترف بالأمنيات. الحقيقة أن الطريق إلى الكرامة لا يُبنى على أوهام.

ما يحدث في ويلبا ليس قدراً، بل نتيجة ثغرات واضحة في الرقابة والمحاسبة، وتواطؤ صامت مع نظام إنتاج يقدّم الربح على الإنسان. إنها مسؤولية مشتركة: دول، شركات، ومجتمع دولي يستهلك دون أن يسأل.

هذا ليس مجرد ملف عمالي… إنها قضية كرامة. فإما أن يُوضع حدّ لهذا النزيف الصامت، أو سيبقى “الذهب الأحمر” شاهداً على زمن تُداس فيه إنسانية النساء تحت أقدام الجشع.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى