
بقلم/سيداتي بيدا
في مشهد يعكس تصاعد منسوب التوتر داخل قطاع حيوي، يلوّح موزعو الغاز بالمغرب بتوقيف عمليات التوزيع يومي 21 و22 أبريل، مع إبقاء خيار التمديد قائمًا. خطوة تبدو في ظاهرها احتجاجًا مهنيًا، لكنها في عمقها تعبير دقيق عن اختلال متراكم لم يعد يحتمل التأجيل أو المعالجة السطحية.
القطاع اليوم يواجه واقعًا اقتصاديًا ضاغطًا، حيث تتسارع تكاليف النقل تحت تأثير ارتفاع أسعار المازوط، في مقابل هامش ربح جامد لا يواكب هذه التحولات. هذه المفارقة لم تعد مجرد إكراه ظرفي، بل تحولت إلى خلل هيكلي يقوّض قدرة الفاعلين على الاستمرار، ويدفعهم نحو خيارات تصعيدية لم تكن يومًا ضمن حساباتهم.
ما يزيد من حدة الوضع، أن هذا القرار جاء عقب مسار طويل من الحوار غير المثمر، حيث اصطدمت مطالب المهنيين ببطء الاستجابة وغياب حلول عملية. ومع تكرار هذا النمط، يتكرس انطباع مقلق بأن أدوات التدخل لم تعد قادرة على استيعاب دينامية السوق، ولا على إعادة التوازن بين كلفة التشغيل وسقف التسعير.
ورغم حساسية الظرف، اختار المهنيون الإبقاء على البيع المباشر داخل المستودعات، في محاولة لتفادي شلل كامل في التزويد. غير أن هذا الإجراء، وإن خفف مؤقتًا من حدة الأثر، يكشف في الآن ذاته هشاشة منظومة التوزيع، التي باتت تعتمد على حلول استثنائية لضمان حد أدنى من الاستمرارية.
في المقابل، يظل المستهلك في واجهة التداعيات. فالغاز ليس مجرد مادة استهلاكية، بل ركيزة أساسية في تفاصيل الحياة اليومية، وأي اضطراب في توفره ينعكس فورًا على الاستقرار المعيشي.
ومع كل اهتزاز في سلاسل التوزيع، تتزايد مخاطر الندرة والارتباك، بما قد يفتح المجال أمام اختلالات سوقية يصعب التحكم فيها.
أمام هذا الواقع، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بتدبير الأزمة بمنطق الظرفية. المطلوب اليوم هو تدخل مسؤول يعيد ضبط قواعد اللعبة، من خلال مراجعة آليات التسعير، ومواكبة تطور التكاليف، وإرساء توازن عادل بين استدامة النشاط وحماية القدرة الشرائية.
إن ما يجري يتجاوز حدود إضراب مؤقت، ليطرح سؤالًا جوهريًا حول نجاعة السياسات المعتمدة في تأطير قطاع استراتيجي.
فإما أن يتم الحسم بإصلاحات واضحة تعيد الثقة والاستقرار، أو أن يظل القطاع رهين دوامة التوتر، بما يحمله ذلك من كلفة اقتصادية واجتماعية متزايدة.
الرسالة باتت واضحة زمن التأجيل انتهى، وما يُفرض اليوم هو منطق القرار.






