
تشكل المباراة الموحدة للأشخاص في وضعية إعاقة إحدى الآليات التي اعتمدتها الدولة المغربية لدعم الإدماج المهني وتعزيز تكافؤ الفرص، انسجاماً مع مقتضيات دستور 2011 والالتزامات الدولية للمغرب، ولا سيما الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة. غير أن تقييم هذه التجربة لا ينبغي أن يتوقف عند مجرد انتظام تنظيم المباراة أو ارتفاع عدد المناصب المعلن عنها، بل يجب أن ينصرف أساساً إلى سؤال جوهري: هل تمكنت هذه الآلية فعلاً من تقليص البطالة المتراكمة في صفوف الأشخاص في وضعية إعاقة الحاملين للشهادات العليا والدبلومات؟
إن واقع الحال يكشف أن الرصيد المتراكم من البطالة لم يكن وليد السنوات الأخيرة، وإنما نتج أساساً عن عاملين متداخلين: أولهما توقف التشغيل لفائدة هذه الفئة خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2018، وما ترتب عن ذلك من تراكم أعداد مهمة من الخريجين؛ وثانيهما محدودية عدد المناصب بعد استئناف المباراة، حيث انتقل العدد تدريجياً من خمسين منصباً إلى مئتي منصب.
ورغم تنظيم المباراة بصورة منتظمة، فإن هذا العدد لم يكن كافياً لتصفية الرصيد المتراكم، خاصة مع استمرار تخرج أعداد جديدة من حاملي الشهادات كل سنة. وهكذا أصبحت المباراة قادرة على تدبير جزء من التدفق السنوي، لكنها لم تستطع معالجة العجز الذي تكون خلال سنوات توقف التشغيل.
وتزداد الحاجة إلى قراءة دقيقة للأرقام حين يتم الجمع بين دورتين متقاربتين زمنياً، كتنظيم مباراة في دجنبر وأخرى في فبراير من السنة الموالية، ثم تقديم مجموع المناصب باعتباره يقارب أربعمائة منصب. والحال أن المعيار الحقيقي ليس جمع أرقام دورتين منفصلتين، وإنما قياس عدد المناصب الفعلية المتاحة سنوياً مقارنة بحجم البطالة المتراكمة وعدد الخريجين الجدد.
ومن هنا، فإن الانتقال من مئتي منصب إلى ألف منصب، وإن كان خطوة إيجابية، قد لا يكون كافياً لإنهاء المشكلة. والحل الأكثر واقعية، في تقديرنا، هو أن تعتمد الحكومة المقبلة مباراة وطنية استثنائية في حدود ألفي منصب، تكون مهمتها الأساسية تصفية الرصيد المتراكم من الأشخاص في وضعية إعاقة الحاملين للشهادات العليا والدبلومات المؤهلة للولوج إلى الوظيفة العمومية.
غير أن نجاح هذه المبادرة يظل رهيناً بتحديد المستفيدين منها بدقة. فالمباراة الاستثنائية ينبغي أن توجه إلى الأشخاص في وضعية إعاقة غير الموظفين، الحاملين للشهادات أو الدبلومات المطلوبة، والموجودين فعلياً في وضعية بطالة. أما الموظفون الراغبون في الترقية أو تغيير الإطار، فلا ينبغي أن ينافسوا على المناصب المخصصة لتصفية البطالة المتراكمة، مع ضمان حقهم في الترقية من خلال آليات مناسبة ومستقلة.
كما أن حماية هذه المناصب من الاستفادة غير المستحقة تقتضي التحقق الجدي من صفة الإعاقة، واعتماد معايير موحدة وشفافة، مع اللجوء إلى الفحص الطبي المضاد بواسطة لجان مختصة ومستقلة عند الاقتضاء. فالغاية ليست التشكيك في الأشخاص في وضعية إعاقة، وإنما حماية حقهم في المناصب المخصصة لهم ومنع أي تزوير أو استعمال غير مشروع لشهادات الإعاقة.
ولا تكتمل العدالة في المباراة بمجرد تحديد المستفيدين، بل تقتضي أيضاً مراجعة توزيع المناصب والتخصصات بما يضمن تكافؤ الفرص بين مختلف فئات الإعاقة. فالأشخاص في وضعية إعاقة بصرية، على سبيل المثال، ينبغي ألا تظل فرصهم محصورة في تخصصات بعينها، بينما تتاح تخصصات علمية وتقنية واقتصادية بصورة أوسع لفئات أخرى. المطلوب هو فتح المجال أمام الكفاءة والاستحقاق، مع توفير التكييفات المعقولة وإزالة الحواجز المرتبطة بالإعاقة.
والأهم أن المباراة الاستثنائية المقترحة ليست بديلاً دائماً عن سياسة التشغيل، وإنما هي تدبير استثنائي لتصفية وضعية استثنائية. فبعد معالجة الرصيد المتراكم، يمكن العودة إلى مباراة سنوية في حدود مئتي منصب، أو وفق عدد الخريجين الجدد والحاجيات الفعلية للإدارة، بما يسمح باستيعاب الوافدين الجدد على سوق الشغل ومنع إعادة إنتاج الرصيد نفسه من البطالة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمقترح: لسنا أمام مطلب بتخصيص ألفي منصب كل سنة، وإنما أمام دعوة إلى تصفية الرصيد المتراكم مرة واحدة، ثم الانتقال إلى تدبير سنوي منتظم يمنع تراكمه من جديد.
ومع ذلك، تظل المباراة الموحدة حلاً انتقالياً لا يغني عن التفعيل الفعلي لنسب التشغيل القانونية في القطاعين العام والخاص، وعن مراجعة الإطار التنظيمي للمباراة بما يضمن وضوح الفئة المستهدفة، وشفافية شروط الترشيح، وسلامة التحقق من الإعاقة، وعدالة توزيع المناصب، وتقييم النتائج بصورة دورية.
إن قضية تشغيل الأشخاص في وضعية إعاقة الحاملين للشهادات العليا تحتاج اليوم إلى قرار سياسي واضح يتجاوز منطق التدبير المحدود للمناصب. فالمشكلة ليست في أن تنظم المباراة كل سنة، وإنما في أن تظل البطالة المتراكمة تتجدد كل سنة رغم تنظيمها.
ومن ثم، فإن المباراة الاستثنائية في حدود ألفي منصب، إذا اقترنت بتحديد دقيق للمستفيدين ونزاهة شروط الاستفادة وحصرها في المعطلين، يمكن أن تشكل نقطة تحول حقيقية: تصفية للتراكم أولاً، ثم تشغيل منتظم للخريجين الجدد، وصولاً إلى سياسة إدماج مهني مستدامة لا تجعل الأشخاص في وضعية إعاقة ينتظرون سنوات طويلة من أجل فرصة واحدة.
إن المطلوب من الحكومة المقبلة ليس مجرد الإعلان عن عدد أكبر من المناصب، بل إنهاء منطق التراكم نفسه، وتحويل المباراة الموحدة من آلية لتدبير الانتظار إلى أداة فعلية لتحقيق الحق في العمل والإدماج وتكافؤ الفرص.



