
بقلم/ سيداتي بيدا
لم تعد المنتخبات العربية في كأس العالم 2026 مجرد ضيوف شرف يبحثون عن مشاركة مشرفة أو ظهور عابر في أكبر تظاهرة كروية على وجه الأرض، بل أصبحت رقماً صعباً يفرض احترامه على أقوى مدارس كرة القدم العالمية. فمع انطلاق المنافسات في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، قدمت المنتخبات العربية عروضاً قوية أكدت أن الكرة العربية دخلت مرحلة جديدة عنوانها الثقة والطموح والقدرة على مقارعة الكبار.
الجولة الأولى حملت مؤشرات واضحة على هذا التحول التاريخي. المنتخب المغربي، صاحب الإنجاز المونديالي السابق، واصل كتابة فصول التألق عندما فرض التعادل على المنتخب البرازيلي بنتيجة هدف لمثله في مواجهة أظهر خلالها شخصية البطل، مؤكداً أن وصوله إلى المربع الذهبي في النسخة الماضية لم يكن صدفة عابرة، بل ثمرة مشروع كروي متكامل يزداد نضجاً وقوة مع مرور الوقت.
ولم يكن المنتخب المغربي وحده من رفع راية العرب عالياً، إذ نجح المنتخب المصري بدوره في انتزاع تعادل ثمين أمام أحد أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب، مقدماً أداءً اتسم بالانضباط التكتيكي والصلابة الدفاعية والقدرة على مجاراة نسق المباريات الكبرى. أما المنتخب السعودي فأثبت مرة أخرى أن الروح القتالية والإصرار يمكنهما صناعة الفارق، بعدما خرج بنتيجة إيجابية أمام منافس يملك تاريخاً عريقاً وإمكانات هائلة.
هذه النتائج، وإن جاءت في شكل تعادلات، تحمل في مضمونها قيمة انتصارات معنوية ورياضية حقيقية. فحين تنجح المنتخبات العربية في الوقوف نداً لند أمام مدارس كروية صنعت أمجاد اللعبة لعقود طويلة، فإن الرسالة تكون واضحة: الفجوة التي كانت تفصل العرب عن كبار العالم لم تعد بالاتساع الذي كانت عليه في الماضي.
الأهم من النتائج هو التحول في العقلية. فالمنتخبات العربية لم تدخل المباريات بعقدة الخوف أو هاجس تفادي الهزيمة، بل دخلتها بعقلية المنافس الباحث عن الفوز. هذا التغيير الذهني يمثل المكسب الأكبر، لأنه يعكس تطوراً في البنية الرياضية والتكوين والاستثمار في المواهب، ويؤكد أن الكرة العربية بدأت تجني ثمار سنوات من العمل والتخطيط.
مونديال 2026 ما زال في بدايته، والطريق لا يزال طويلاً، لكن ما تحقق في الجولة الأولى يكفي لإثارة التفاؤل وإرسال رسالة قوية إلى العالم الكروي مفادها أن العرب لم يعودوا مجرد مشاركين في المشهد العالمي، بل أصبحوا جزءاً من صناع الحدث ومنافسين قادرين على قلب الموازين وكتابة صفحات جديدة من التاريخ.
لقد انتهى زمن الاكتفاء بالمشاركة، وبدأ زمن البحث عن المجد.






