
بقلم/ سيداتي بيدا
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالسلاح وحده، بل أصبحت الشائعة إحدى أخطر أدواتها. خبر كاذب، صورة مفبركة، ومنشور يفتقر إلى أبسط قواعد التحقق؛ كلها عناصر كفيلة بإشعال موجة من البلبلة وصناعة واقع وهمي يلتبس على الرأي العام. وهذا بالضبط ما حدث مع المزاعم التي تحدثت عن العثور على 25 جثة لمهاجرين غير نظاميين بالشريط الحدودي بين فكيك وبوعرفة.
الرواية انتشرت بسرعة على منصات التواصل الاجتماعي، مدعومة بصور وتعليقات قدمت الواقعة المزعومة باعتبارها حقيقة مؤكدة. غير أن المعطيات المتوفرة على الأرض جاءت لتنسف هذه الادعاءات من جذورها، بعدما أكدت مصادر مطلعة بجهة الشرق أن الأمر لا يعدو كونه خبراً زائفاً لا يستند إلى أي واقعة حقيقية.
الخطير في القضية ليس فقط اختلاق حدث لم يقع، بل محاولة تسويقه للرأي العام المحلي والدولي وكأنه حقيقة ثابتة. فحين يتعلق الأمر بملف حساس مثل الهجرة والحدود، تصبح المسؤولية مضاعفة، لأن أي معلومة غير دقيقة قد تتحول إلى أداة للتشويش على المؤسسات، والإضرار بصورة المنطقة، وإثارة المخاوف وسط المواطنين.
وتؤكد المصادر ذاتها أن السلطات لم تسجل خلال الفترة الأخيرة أي حالة مماثلة لما تم الترويج له، كما نفت بشكل قاطع صحة الصور المتداولة، معتبرة إياها مواد مفبركة جرى إخراجها من سياقها أو توظيفها لخدمة رواية مختلقة. أما الواقعة الوحيدة التي تم تسجيلها خلال الأشهر الماضية، فتتعلق بجثة مهاجر غير نظامي عُثر عليها دون أي آثار للعنف أو الاعتداء، وهو ما يتناقض كلياً مع الرواية التي حاول البعض ترويجها.
وتكشف هذه الواقعة جانباً مقلقاً من واقع الفضاء الرقمي، حيث بات بعض الناشطين والصفحات يلهثون وراء الإثارة وحصد التفاعلات، حتى وإن كان الثمن هو التضحية بالحقيقة. فالأخبار الكاذبة لا تسيء فقط إلى المؤسسات أو الجهات المستهدفة، بل تضرب في العمق ثقة المواطنين في المعلومة وتفتح الباب أمام الفوضى الإعلامية.
إن معركة اليوم ليست فقط ضد الشائعة، بل ضد ثقافة إعادة النشر دون تحقق. فالحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج كي تثبت وجودها، بينما تحتاج الأكاذيب دائماً إلى آلاف المشاركات حتى تعيش. وفي النهاية، تبقى الوقائع أقوى من كل محاولات التضليل، وتظل الحقيقة هي السلاح الأنجع في مواجهة مصانع الإشاعة.






