
بقلم/ سيداتي بيدا
مع كل هدف يهز شباك الخصوم، تهتز معه قلوب ملايين المغاربة فرحاً وفخراً.
غير أن هناك من يحتفل بالأهداف بطريقة مختلفة تماماً؛ ليس في المدرجات ولا أمام الشاشات، بل داخل مكاتب التسويق وغرف حساب الأرباح.
فبينما ينشغل الجمهور بتتبع إنجازات “أسود الأطلس”، تنشغل بعض شركات الاتصالات بتحويل هذا الحماس الوطني الجارف إلى فرصة تجارية ذهبية.
تبدأ اللعبة بإعلانات جذابة تتقن مخاطبة العاطفة الجماعية. “عبّئ رصيدك واربح”، “هدف جديد يعني جيغابايتات مجانية”، وعود تتكرر مع كل مباراة، وتُقدَّم للمستهلك على أنها مكافأة مستحقة على مشاركته فرحة الوطن.
لكن خلف هذا البريق الإشهاري تختبئ حقيقة أقل لمعاناً: المستفيد الأكبر من هذه الحملات ليس المشجع، بل الشركة نفسها.
فكل هدف يسجله المنتخب يتحول إلى موجة جديدة من التعبئات والاستهلاك، وكل حملة تشجيعية تفتح باباً واسعاً لزيادة المبيعات واستقطاب الزبائن. أما المكافآت التي تُسوَّق باعتبارها مجانية، فكثيراً ما تحاصرها شروط دقيقة وتفاصيل معقدة لا تظهر إلا بعد انتهاء الحماس وانطفاء أضواء المباراة.
المشكلة ليست في سعي الشركات إلى الربح، فالربح حق مشروع في أي اقتصاد تنافسي. لكن الإشكال الأخلاقي يبدأ عندما يُستغل الشعور الوطني كوسيلة ضغط نفسي وتسويقي تدفع المستهلك إلى الإنفاق تحت تأثير الحماس والانتماء. هنا لا يعود الإعلان مجرد ترويج لخدمة، بل يتحول إلى استثمار مباشر في المشاعر الجماعية.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه الحملات تُقدَّم في قالب يوحي بالسخاء والمكافأة، بينما جوهرها الحقيقي هو دفع المستهلك إلى استهلاك أكبر. فالمعادلة بسيطة: الجمهور يحتفل بالأهداف، والشركات تحصد الأرباح. وفي نهاية المباراة قد يكون عدد الأهداف المسجلة في الحسابات التجارية أكبر بكثير من تلك التي سُجلت فوق أرضية الملعب.
إن الثقة ليست سلعة تُباع مع بطاقات التعبئة، بل عقد أخلاقي بين المؤسسة وزبنائها. وكلما اتسعت الفجوة بين الوعد الإعلاني والواقع، تآكل هذا الرصيد المعنوي الذي لا يُقاس بالأرباح ولا بحصص السوق.
لذلك يحق للمغاربة أن يطرحوا سؤالاً مشروعاً بعد كل حملة من هذا النوع: عندما تنطلق صافرة النهاية، من الذي فاز فعلاً؟ المنتخب؟ المشجع؟ أم شركات الاتصالات التي نجحت مرة أخرى في تحويل نبض الجماهير إلى أرقام تلمع في تقارير الأرباح؟
في زمن أصبحت فيه الثقة عملة نادرة، يبقى الوضوح والصدق مع المستهلك الهدف الوحيد الذي يستحق الاحتفال.






