
يواجه مشروع قانون المالية لسنة 2027 تحدياً اقتصادياً واجتماعياً متزايداً يتمثل في استمرار الضغط على القدرة الشرائية للأسر المغربية، رغم تراجع معدلات التضخم مقارنة بالسنوات الماضية.
وتسعى الحكومة، من خلال التوجهات المرتقبة لميزانية 2027، إلى تحقيق توازن بين مواصلة تمويل الدولة الاجتماعية والحفاظ على الاستقرار المالي، مع البحث عن حلول أكثر استدامة لتحسين دخل الأسر وتقليص العوامل التي تساهم في ارتفاع الأسعار.
تراجع التضخم لا يعني انتهاء أزمة الغلاء
وتكشف المعطيات الاقتصادية عن استمرار فجوة بين المؤشرات الرسمية للتضخم والإحساس اليومي للأسر بارتفاع كلفة المعيشة.
فخلال غشت 2026، تراجع الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بنسبة 0,3 في المائة على أساس سنوي، بينما يتوقع بنك المغرب أن يستقر التضخم عند 0,7 في المائة خلال السنة الجارية، قبل أن يرتفع إلى 1,5 في المائة سنة 2027.
غير أن هذه الأرقام تأتي بعد موجة قوية من ارتفاع الأسعار، بعدما بلغ التضخم 6,6 في المائة سنة 2022 و6,1 في المائة سنة 2023، قبل أن يتراجع إلى 0,9 في المائة سنة 2024 و0,8 في المائة سنة 2025.
وبالتالي، فإن انخفاض التضخم لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل يعني في الأساس تباطؤ وتيرة ارتفاعها.
ثقة الأسر تكشف استمرار الضغط على المعيشة
وتعكس مؤشرات ثقة الأسر استمرار الإحساس بارتفاع كلفة المعيشة، إذ تراجع مؤشر ثقة الأسر إلى 60,1 نقطة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، مقابل 64,4 نقاط خلال الفصل السابق.
كما صرحت 78,3 في المائة من الأسر بأن مستوى معيشتها تدهور خلال الاثني عشر شهراً الماضية، مقابل 5,2 في المائة فقط اعتبرت أنه تحسن.
وتتوقع 51 في المائة من الأسر استمرار تراجع مستوى المعيشة خلال السنة المقبلة، وهو ما يضع القدرة الشرائية للمغاربة في صلب التحديات التي تواجه السياسة الاقتصادية والاجتماعية.
أسواق الجملة والوسطاء تحت المجهر
ومن بين الملفات التي قد تحظى بأهمية أكبر ضمن التوجهات المرتبطة بميزانية 2027، إصلاح مسالك تسويق المنتجات، خصوصاً المواد الغذائية والخضر والفواكه.
وتشير معطيات مجلس المنافسة المتعلقة بسلسلة الفواكه والخضر إلى أن الهامش الإجمالي للوسطاء يمثل في المتوسط نحو 34 في المائة من السعر النهائي، مقابل حوالي 30 في المائة للمنتجين.
وتطرح هذه الأرقام تساؤلات حول تأثير تعدد حلقات الوساطة والتوزيع على الأسعار التي يؤديها المستهلك المغربي.
كما تضم شبكة أسواق الجملة بالمغرب 38 سوقاً، تعالج حوالي 3,5 ملايين طن من الفواكه والخضر سنوياً، أي ما يعادل نحو 30 في المائة فقط من الإنتاج الوطني.
ويرى متابعون أن تطوير هذه الأسواق ورقمنة المعاملات وتعزيز الشفافية بشأن الأسعار والهوامش يمكن أن يساهم في الحد من المضاربة وتقليص الفارق بين السعر عند المنتج والسعر النهائي لدى المستهلك.
من الدعم الاجتماعي إلى تحسين الدخل
ولا تقتصر رهانات ميزانية 2027 على خفض الأسعار، بل تمتد إلى تعزيز قدرة الأسر على تحقيق دخل مستقر.
ويستفيد من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر حوالي 3,9 ملايين أسرة، أي أكثر من 12,5 ملايين شخص، بمبالغ شهرية تتراوح بين 500 و1350 درهماً.
ومن المرتقب أن يصل الغلاف المالي السنوي لهذا البرنامج إلى حوالي 29 مليار درهم ابتداءً من سنة 2026.
وتبرز أهمية هذه التحويلات بالنسبة إلى الفئات الهشة، خصوصاً أن 30 في المائة الأكثر هشاشة من السكان تستحوذ على 84 في المائة من الدعم، وفق المعطيات الحكومية، فيما تمثل المساعدات في المتوسط حوالي 18 في المائة من دخل الأسر المستفيدة.
الاستثمار العمومي.. هل يتحول إلى فرص شغل؟
وفي المقابل، تراهن الحكومة على الاستثمار العمومي باعتباره أحد المحركات الأساسية للنمو وخلق فرص العمل.
وتتجاوز قيمة الاستثمار العمومي المبرمج لسنة 2026 حوالي 380 مليار درهم، بينما بلغت نفقات الاستثمار بالميزانية العامة 62,2 مليار درهم إلى نهاية يونيو الماضي، بزيادة سنوية بلغت 14,3 في المائة.
لكن حجم الاستثمار لم يعد وحده معياراً لقياس فعاليته، إذ يبرز تحدي توجيه هذه الاستثمارات نحو مشاريع قادرة على خلق فرص شغل وتحقيق قيمة مضافة محلية، مع تعزيز استفادة المقاولات المغربية، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، من سلاسل القيمة والطلبيات العمومية.
البطالة تضغط على القدرة الشرائية
ويظل سوق الشغل أحد أبرز المفاتيح لتحسين دخل الأسر، إذ أضاف الاقتصاد 279 ألف منصب شغل خلال الفصل الثاني من سنة 2026، وانخفض معدل البطالة إلى 9,5 في المائة.
غير أن بطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة بقيت مرتفعة عند 27,2 في المائة، في حين لم يتجاوز معدل مشاركة النساء في سوق الشغل 18,1 في المائة، مقابل 66,5 في المائة لدى الرجال.
كما بلغ معدل نقص استغلال اليد العاملة، الذي يشمل البطالة والشغل الناقص واليد العاملة المحتملة، حوالي 18,9 في المائة.
وتعكس هذه المؤشرات استمرار الحاجة إلى سياسات أكثر ارتباطاً بالتشغيل وتحسين الأجور والإنتاجية، بدل الاقتصار على معالجة آثار ارتفاع الأسعار من خلال الدعم والتحويلات.
ميزانية 2027 أمام اختبار القدرة الشرائية
وتضع هذه المعطيات مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام معادلة دقيقة: مواصلة حماية الفئات الهشة اجتماعياً، مع التحكم في عجز الميزانية والمديونية، وفي الوقت نفسه خلق الظروف الاقتصادية التي تسمح بتحسين دخل الأسر بشكل مستدام.
فالرهان لم يعد مرتبطاً فقط بخفض معدل التضخم، وإنما بقدرة السياسات العمومية على التأثير في الأسعار والدخل معاً.
ومن هنا تبرز أهمية إصلاح أسواق الجملة ومسالك التسويق، وتعزيز المنافسة والشفافية، وتوجيه الاستثمار العمومي نحو القطاعات المنتجة، وربط المشاريع الكبرى بخلق فرص الشغل والقيمة المضافة المحلية.
وبذلك، سيكون الاختبار الحقيقي لميزانية 2027 هو مدى قدرتها على الانتقال من معالجة آثار الغلاء إلى معالجة أسبابه، وتحويل النمو والاستثمار والدعم الاجتماعي إلى تحسن ملموس في القدرة الشرائية ومستوى معيشة الأسر المغربية.






